"أمريكا وإيران: حرب أم صفقة؟" .. ندوة لـ "إيجيبشن إنتربرايز" تحاول الإجابة على السؤال الذي يحدد مستقبل الشرق الأوسط

كتبت: هديـر البحيـري

رجح خبراء وباحثين منخرطين في الشؤون الإيرانية والأمريكية، اندلاع مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران على خلفية التصعيد الأخير بين الجانبين، ولكنهم رهنوا هذه المواجهة بالتطورات في سير المفاوضات بين طهران وواشنطن.جاء ذلك، خلال ندوة رقمية موسعة، نظمها برنامج الدراسات الأمريكية بمركز "إيجيبشن إنتربرايز" للسياسات والدراسات الاستراتيجية، بعنوان "أمريكا وإيران: حرب أم صفقة؟"، إذ ناقشت مستقبل التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، بمشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين في الشأن الدولى

أدار الندوة محمد ماهر، المسؤول التنفيذي لبرنامج الدراسات الأمريكية، من العاصمة الأمريكية واشنطن، والتي استضاف فيها الخبير في الشؤون الإيرانية الدكتور محمد محسن أبو النور، وسط حضور لافت من الباحثين والمهتمين بالقضايا الجيوسياسية.

سيكولوجية القرار في طهران

تناول الدكتور أبو النور قراءة معمقة لما وصفه بـ"سيكولوجية القرار" في إيران، مؤكدًا أن السلوك السياسي لطهران لا يمكن فهمه بمعزل عن سياقه التاريخي. وأوضح أن أحداثًا مفصلية، مثل انقلاب عام 1953 (عملية أجاكس) والغزو الأنجلو-سوفيتي لإيران، تركت بصمات عميقة في الوعي الجمعي للنخبة الإيرانية الحاكمة، ورسخت حالة من الشك البنيوي تجاه النوايا الغربية، انعكست بوضوح في سياسات المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.

وأشار أبو النور إلى أن إيران تنتهج حاليًا سياسة "حافة

الهاوية" من خلال تصعيد ملف تخصيب اليورانيوم، في محاولة لموازنة الضغوط الأمريكية، مرجحًا اندلاع مواجهة عسكرية بين الطرفين، بسبب عدم ميل النظام الإيراني "الثوري" لتبني تنازلات كبيرة، لاسيما مع سيطرة الأفكار الاستشهادية على كبار لرجال الدولة في طهران.

حسابات واشنطن المعقدة

من جانبه، تناول المستشار الأكاديمي بوحدة الدراسات

الأمريكية فى المركز، الدكتور أحمد نبيل، آليات صنع القرار داخل واشنطن، مؤكدًا أن خيار المواجهة العسكرية مع إيران يظل قرارًا بالغ التعقيد، تحكمه توازنات دقيقة بين تيارات متعددة، من بينها تيار "ماغا"، والمحافظون الجدد، فضلًا عن جماعات الضغط المؤثرة.وأوضح نبيل، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم نفوذه الواسع، لا يتحرك في فراغ، إذ يواجه قيودًا مؤسسية ودستورية، إلى جانب اعتبارات انتخابية تؤثر على هامش تحركه في ملفات السياسة الخارجية. وحذر نبيل من أن غياب رؤية أمريكية موحدة بشأن "اليوم التالي" لأي تصعيد عسكري قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية غير محسوبة، لا تخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة.العقلانية في القرار الإيرانيوعلى الجانب الاخر، استبعد محمد ماهر، المسؤول التنفيذي بوحدة الدراسات الامريكية في المركز، سيناريو الحرب الشاملة في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، مشيرًا إلى أن طهران أبدت عقلانية كبيرة في كل الأزمات السابقة، وهذا ما أبقى على النظام الإيراني حتى الان، حتى مع وجود كبار رجال الدولة في طهران ذو عقلية استشهادية كربلائية

. واضاف ماهر، لقد قامت إسرائيل باستهداف هنية في قلب طهران، كما قصفت أمريكا المفاعلات النووية الإيرانية، وفي كل مرة اما اختارت إيران عدم الرد، أو الالتزام بقواعد اللعبة برد منضبط، وهو ما يشير بوضوح إلى إمكانية تكرار هذا السيناريو، في اللحظات الأخيرة من مسلسل التصعيد بين واشنطن وطهران.

وهو الأمر الذي اتفق معه دكتور أبو النور، قائلًا إن النظام الإيراني، رغم خطابه الثوري، يتمتع بقدر معتبر من البراغماتية السياسية، ما يجعله قادرًا على إبداء "مرونة مفاجئة" في اللحظات الحرجة، إذا ما شعر بتهديد وجودي يمس بقاء الدولة.المواجهة العسكرية الاحتمال الأرجحوردًا على سؤال لـ "نافذة الشرق" حول إذا ما كان التصعيد الحالي خطوة مدروسة تمهيدًا لاتفاق أكبر، أم أن احتمالات الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة أصبحت أقرب، أجاب الدكتور أبو النور، بأن الاحتمال الأرجح في الوقت الراهن هو المواجهة العسكرية، مشيرًا إلى محاولة المحافظين والمتشددين في إيران بالسيطرة على زمام القرار الإيراني خلال الفترة الراهنة، تمهيدا لمرحلة جديدة من التصعيد.

وأضاف في كل مرة لم تنجح المفاوضات الدبلوماسية في حل الأزمة الإيرانية مع الغرب كان المتشددين يكتسبوا مساحة إضافية، لافتًا إلى أن الاعتقاد السائد في أغلب دوائر صنع القرار الإيراني، بعدم نجاح المساعي الدبلوماسية خلال الأوقات السابقة، ولذلك يجب تجربة الوسائل الأخرى. الاقتصاد والرهانات الكبرىولم يغفل النقاش البعد الاقتصادي، حيث تطرق المشاركون إلى تنامي التقارب الإيراني–الصيني، في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.

كما تم استعراض التحديات الداخلية التي تواجهها طهران، من ضغوط اقتصادية متفاقمة إلى موجات احتجاج متكررة، وما إذا كانت هذه العوامل قد تدفع القيادة الإيرانية — التي تضم بين أركانها نخبًا تلقت تعليمها في الغرب — إلى البحث عن "صفقة كبرى" تحفظ ماء الوجه، وتضمن في الوقت ذاته استقرار النظام.وبين احتمالي التصعيد والتسوية، خلصت الندوة إلى أن المشهد لا يزال مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، يتداخل فيها التاريخ مع السياسة، والأيديولوجيا مع البراغماتية، في واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في النظام الدولي الراهن.