كتبت: علياء الهواري
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتصاعد فيها المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، يبرز سؤال يتجاوز في دويه صوت الصواريخ: ماذا يحدث عندما تدخل قوة عظمى حرباً بينما تعيش عاصمتها انقساماً حاداً بين قطبي السياسة، الجمهوري والديمقراطي؟ هذا التساؤل لم يعد نظرياً، بل أضحى واقعاً يلقي بظلاله على مسار الحرب واستقرار المنطقة بأكملها، حيث لا يتوقف الخلاف عند تفاصيل الميدان، بل يمتد لجوهر القرار السياسي وشرعية توسيع نطاق المواجهة دون غطاء تشريعي كامل.
وفي حوار خاص، كشف الدكتور أحمد زيدان، المتخصص في الشأن الأمريكي، أن الصراع السياسي الداخلي في واشنطن بات المحرك الأساسي للمواقف من إيران؛ فالديمقراطيون يقرأون الحرب من زاوية معارضتهم لسياسات دونالد ترامب، بينما يندفع الجمهوريون نحو التحرك العسكري السريع متجاوزين المسارات التشريعية التقليدية. ويرى زيدان أن طهران تتابع بدقة هذا الاستقطاب، وتراه فرصة لزيادة الضغط، خاصة مع امتلاكها قدرة الرد التي فندت تصريحات ترامب المتفائلة بكسر شوكتها منذ اللحظة الأولى.
هذا الانقسام الدستوري حول "حق إعلان الحرب" جعل الكونغرس يبدو مشلولاً وعاجزاً عن صياغة موقف موحد، وهو ما يضع علامات استفهام كبرى حول قدرة النظام الأمريكي على إدارة أزمة بهذا الحجم. ورغم استمرار العمليات العسكرية ضد المواقع الإيرانية، إلا أن التأثير الحقيقي لهذا التصدع السياسي سيظهر لاحقاً عند اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى، مثل رفع ميزانيات الإنفاق الدفاعي أو الانزلاق نحو مواجهة شاملة تتطلب إجماعاً وطنياً غائباً.
ارتباك الحلفاء وورقة الطاقة: "علاوة المخاطر" تهز الأسواق
غياب الموقف الأمريكي الحاسم لم يربك الخصوم فحسب، بل امتد ليزرع القلق في نفوس الحلفاء بالشرق الأوسط، حيث باتت عملية اتخاذ القرار لديهم أكثر تعقيداً في ظل ضبابية الرؤية القادمة من واشنطن. هذا التردد الأمريكي منح إيران مساحة أكبر للمناورة باستخدام ورقة الطاقة في الخليج، مما أدى لقفزة حادة في الأسعار؛ إذ استقر خام برنت فوق حاجز الـ 89 دولاراً للبرميل، مقارنة بـ 72 دولاراً قبل اندلاع الشرارة الأولى، وهي قفزة تعكس حجم الذعر الذي يسيطر على الأسواق المالية العالمية.
ويؤكد الدكتور زيدان أن عدم التوافق بين الحزبين يساهم مباشرة في زيادة التوتر الدولي، فكلما تعمق الشرخ في واشنطن، زادت جرأة طهران على توسيع نطاق المواجهة. وفي المقابل، تجد دول الخليج نفسها في قلب المشهد المعقد، وهي التي لا تشعر بوجود ضمانات أمنية أمريكية حاسمة في ظل هذا الاستقطاب، مما دفع بعضها لإعادة التفكير في طبيعة تحالفاتها الإقليمية، وتقليص الخلافات البينية إدراكاً منها بأن الاعتماد المطلق على "واشنطن المنقسمة" قد لا يكون ضمانة كافية للأمن.
على الصعيد الدولي، يفتح هذا الفراغ الاستراتيجي الباب أمام قوى كبرى مثل روسيا والصين لتعزيز نفوذها، سواء بدعم إيران أو بتقديم نفسها كبديل "أكثر استقراراً" لدول المنطقة. ومن النتائج الخطيرة التي يرصدها زيدان، هو احتمال تحول الصراع إلى "حرب بالوكالة" هرباً من القيود التشريعية في واشنطن، وهو ما يظهر في التلويح بإشراك قوى محلية مثل الأكراد، في خطوة قد تفجر أزمات جانبية مع دول إقليمية كبرى مثل تركيا.
مستقبل التوازنات: هل تُحسم المعارك الخارجية بقرار داخلي؟
إن الحروب الكبرى لا تُدار في ميادين القتال فحسب، بل تُصنع في أروقة المؤسسات السياسية، وعندما تصاب هذه المؤسسات بـ "الاستقطاب الحاد"، فإن التبعات تتجاوز الحدود الجغرافية لتصيب النظام العالمي بالشلل. فالتردد في واشنطن يربك الحسابات، ويخلق مساحات واسعة لسيناريوهات غير متوقعة قد تخرج فيها الأمور عن السيطرة في أي لحظة، خاصة مع استراتيجية "الانتقام" التي تتبناها طهران بعد عمليات الاغتيال الأخيرة.
يبقى الشرق الأوسط اليوم في انتظار الإجابة عن السؤال الأكثر خطورة: هل تستطيع الولايات المتحدة حسم معركتها الخارجية قبل أن تضمد جراح صراعها الداخلي؟ أم أن انقسام واشنطن سيظل هو "الوقود" الذي يطيل أمد الحرب ويزيد من كلفة الصراع على الجميع؟ الحقيقة الثابتة أن المنطقة المثقلة بالأزمات لم تعد تحتمل "مقامرات سياسية" ناتجة عن خلافات حزبية خلف المحيطات.



