اللعب في المنطقة الرمادية: كيف تستثمر روسيا في حرب إيران دون التورط فيها؟

كتبت: هدير البحيري

بينما تتصاعد المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية مع طهران، تقف موسكو في مساحة رمادية محسوبة؛ لا تنخرط في القتال، ولا تتخلى عن شريكها الاستراتيجي. فموسكو تفضل البقاء خارج المشهد، مكتفية بإدارة صراع نفوذ في الخفاء عبر دعم متدرج يضمن حماية مصالحها من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع واشنطن.

شراكة استراتيجية لا ترقى إلى تحالف كامل

تستند العلاقة بين روسيا وإيران إلى شراكة استراتيجية متنامية، توجت بتوقيع اتفاقية الشراكة الشاملة في يناير 2025.

وقد عزز الطرفان تعاونًا واسعًا في ملفات سياسية وعسكرية واقتصادية، أبرزها التنسيق في سوريا ومواجهة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.

وعسكريًا، لعبت إيران دورًا محوريًا في دعم روسيا خلال حرب أوكرانيا عبر تزويدها بتكنولوجيا تصنيع المسيرات، وهو ما ساهم في تعزيز القدرات العملياتية لموسكو. كما سبق للطرفين أن تعاونا ميدانيًا في دعم نظام بشار الأسد خلال سنوات الحرب في سوريا.

واقتصاديًا، يشكل التعاون في قطاع الطاقة عنصرًا محوريًا في العلاقة بين البلدين، إذ يمثل هذا القطاع متنفسًا اقتصاديًا لهما في ظل العقوبات الأمريكية. كما يعملان على تطوير مشاريع نقل وممرات تجارية مثل ممر الشمال–الجنوب.

ورغم هذا التقارب، فإن العلاقة ليست خالية من التباينات، إذ لا يوجد تحالف دفاعي يلزم روسيا بالدفاع عن إيران، كما يتنافس البلدان في أسواق الطاقة، وتتحفظ موسكو على امتلاك طهران قدرات نووية كاملة.

لذلك تبدو العلاقة أقرب إلى تعاون مصلحي ضد الغرب منها إلى تحالف عقائدي أو عسكري شامل.

ومع امتداد الحرب، بدأت تظهر معطيات جديدة تشير إلى أن موسكو لا تكتفي بالدعم السياسي، بل تقدم مساعدات استخباراتية وتقنية لإيران.

وتشير تقارير غربية إلى أن موسكو تزود طهران ببيانات جغرافية دقيقة تعوّض محدودية قدراتها في الأقمار الصناعية العسكرية، ما يمكنها من استهداف مواقع وقواعد أمريكية في المنطقة. كما توضح التقارير أن روسيا تنقل لإيران معلومات عن تحركات القوات والأساطيل الأمريكية وصور أقمار صناعية تعزز قدرتها على التخطيط العسكري، من دون أن تظهر موسكو كطرف مباشر في القتال.

ويشمل التعاون أيضًا تزويد الحرس الثوري ببعض المعدات الدفاعية، إضافة إلى دعم القدرات الفضائية الإيرانية عبر إطلاق أقمار صناعية جديدة.

ويعد التعاون في مجال الطائرات المسيرة أحد أهم مظاهر الشراكة العسكرية بين البلدين. فإيران التي زودت روسيا سابقًا بمسيرات خلال حرب أوكرانيا، استفادت لاحقًا من النسخ المطورة التي أعادت موسكو تزويدها بها.

وظهر أثر هذا التعاون في تكتيكات إيران خلال الحرب الحالية، إذ اعتمدت على إطلاق أسراب من المسيرات الرخيصة لتشتيت الدفاعات قبل تنفيذ الضربات الصاروخية، وهو الأسلوب ذاته الذي استخدمته روسيا في أوكرانيا.

وجيوسياسيًا، دعمت موسكو انضمام إيران إلى مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، ما ساهم في تخفيف الضغط الناتج عن العقوبات الغربية.

كما عزز البلدان هذا المسار عبر اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي وسعت التعاون في مجالات التكنولوجيا والتجارة والدفاع.

ورغم ذلك، يرى بعض الخبراء أن الدور الروسي لا يزال محدودًا بسبب انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا ورغبتها في تجنب استفزاز مباشر لواشنطن، خاصة في ظل تعقيدات العلاقات بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ورغم أن روسيا لم تقدم دعمًا عسكريًا مباشرًا لإيران، فإنها تستفيد من الحرب بشكل واضح. فارتفاع أسعار النفط منح الاقتصاد الروسي دفعة قوية، كما اضطرت واشنطن إلى تخفيف بعض العقوبات على النفط الروسي لتجنب أزمة طاقة عالمية.

وفي الوقت نفسه، تستنزف الحرب جزءًا من القدرات الأمريكية في الشرق الأوسط، وتشتت تركيز واشنطن عن أوكرانيا، وهو ما يصب في مصلحة موسكو التي تسعى إلى إضعاف الولايات المتحدة وإعادة تشكيل النظام الدولي بما يمنحها موقعًا أكثر تأثيرًا.

ومع ذلك، يبقى الموقف الروسي محكومًا بعدة قيود أساسية، أبرزها تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، والانشغال بالحرب في أوكرانيا، والرغبة في الاستفادة من الحرب دون التورط فيها. لكن هذا الموقف قد يتغير في حال تعرض النظام الإيراني لتهديد وجودي أو في حال تنفيذ الولايات المتحدة غزوًا بريًا واسعًا، وهو ما قد يدفع موسكو إلى زيادة مستوى دعمها لطهران، سواء عبر تسليح مكثف أو دعم استخباراتي أكبر أو تدخل غير مباشر عبر حلفاء.

روسيا وإيران: دعم متدرج وحسابات معقدة في ظل المواجهة مع واشنطن

وفي قراءة تفسيرية لهذا السلوك الروسي، قال الخبير في العلاقات الدولية الدكتور إياس الخطيب لـ"نافذة الشرق" إن الموقف الروسي تجاه إيران لا يمكن اعتباره حياديًا بأي حال من الأحوال، مشيرًا إلى أن فهم هذا الموقف يتطلب قراءته في سياق أوسع لا يقتصر على اللحظة الراهنة، بل يمتد إلى مسار طويل من اتفاقيات التعاون المشترك التي أبرمها البلدان خلال السنوات الماضية، لا سيما في المجالات العسكرية والدفاعية.

وأكد الخطيب أن إيران تمثل بالنسبة لروسيا لاعبًا إقليميًا بالغ الأهمية في الشرق الأوسط، خاصة فيما يتعلق بالحفاظ على توازن القوى في إطار التنافس مع الولايات المتحدة خارج حدودهما المباشرة، كما تمثل في الوقت ذاته فاعلًا دوليًا مهمًا في سياق التحولات نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، في مواجهة الهيمنة الأمريكية، وهو المسار الذي تعمل عليه روسيا والصين وحلفاؤهما منذ سنوات.

وقال الخطيب إن الدعم الروسي لإيران يمكن وصفه بـ"الدعم المتدرج"، إذ بدأ بتوقيع اتفاقيات التعاون، ثم تطور قبيل اندلاع الحرب إلى دعم أكثر عملية، شمل تزويد طهران بمعلومات استخباراتية دقيقة تتعلق بتحركات القوات الأمريكية، إلى جانب نقل تكنولوجيا متقدمة، فضلًا عن تطوير الطائرات المسيرة التي كانت إيران قد استثمرت في تصنيعها على مدار عقود.

وأشار الخطيب إلى أن موسكو لا تتعامل بمنطق "الذاكرة القصيرة"، بل تأخذ بعين الاعتبار الدعم الذي قدمته إيران لها خلال حربها في أوكرانيا، سواء على المستوى السياسي والدبلوماسي داخل المحافل الدولية، أو من خلال الدعم العسكري وتزويدها بالطائرات المسيّرة.

ولفت الخطيب إلى أن هذا الدعم المتدرج قد يتطور إلى انخراط روسي مباشر في الحرب، في حال شعرت موسكو بأن إيران تواجه خطر السقوط بيد الولايات المتحدة، معتبرًا أن الرسائل التي بعث بها بوتين إلى القيادة الإيرانية، والتي أكد فيها أن روسيا ستبقى شريكًا موثوقًا، تحمل في جوهرها رسالة موجهة إلى واشنطن، وبشكل خاص إلى ترامب، أكثر من كونها موجهة إلى طهران.

كما أشار إلى أن هذا الموقف انعكس أيضًا في بيانات وزارة الخارجية الروسية التي أدانت مرارًا الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ووصفتها بأنها تقويض لمسار المفاوضات وانتهاك للقانون الدولي، وهو ما أكده كذلك وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في أكثر من مناسبة.

وفيما يتعلق بالوضع في سوريا، قال الخطيب إن دمشق لم تعد تمثل قوة فاعلة مستقلة، نتيجة تراجع سيادتها لصالح قوى خارجية، ما حولها إلى ساحة لتنافس النفوذ بين القوى الكبرى.

وأشار إلى أن هذا الملف بات مؤجلًا بالنسبة لروسيا، في انتظار حسم صراعات دولية أخرى، وهو ما ينطبق جزئيًا على الحالة الإيرانية أيضًا.

وأوضح الخطيب أن تراجع الحضور الروسي والإيراني في سوريا خلال الفترة الأخيرة يرتبط بإعادة تشكيل التوازنات الدولية في الشرق الأوسط، مرجحًا أن يشهد هذا الواقع تغيرات تبعًا لمآلات المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران.

وأكد أن الدعم الروسي لطهران لا ينفصل عن مجموعة من الملفات الاستراتيجية، التي تجعل من الصعب على موسكو التخلي عن إيران أو ترك الساحة الإقليمية مفتوحة أمام النفوذ الأمريكي، لما قد يترتب على ذلك من تقويض للوجود الروسي في المجال الأوراسي على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية.

وفي المقابل، أشار الخطيب إلى أن روسيا، رغم هذا الدعم، لا تزال تحرص على عدم الانخراط المباشر في النزاع، مكتفية بمراقبة استنزاف الولايات المتحدة في هذا الصراع، بالتوازي مع تحقيق مكاسب اقتصادية، أبرزها ارتفاع أسعار النفط، إلى جانب تخفيف بعض القيود على صادراتها النفطية.

واختتم الخطيب حديثه بالإشارة إلى أن هذا الموقف قد يشهد تحولًا في حال بدت مؤشرات على تحقيق انتصار أمريكي في الحرب، وهو سيناريو لا ترغب موسكو في حدوثه، موضحًا أن أي تصعيد كبير، مثل لجوء الولايات المتحدة إلى غزو بري أو استخدام أسلحة ذات طابع تدميري واسع، قد يدفع روسيا إلى رفع مستوى انخراطها، سواء بشكل مباشر أو عبر تكثيف الدعم الاستخباراتي والعسكري لإيران بما يغير موازين الصراع.