تسمم رئيس مدغشقر وبعض رجالات الحكومة في أحد مطاعم ماجونجا… صدفة أم مؤامرة

12

 في 8 مارس 2025، شارك الرئيس أندري نيرينا راجولينا بصحبة زوجته في الاحتفال بيوم حقوق المرأة في احدى مطاعم مدينة ماجونجا الساحلية بدولة مدغشقر. وبعد الغداء الختامي الذي جمع أعضاء الحكومة وممثلين عن مختلف القطاعات، أصيب نحو خمسين ضيفا بالتسمم، بما فيهم رئيس مدغشقر والسيدة الأولى. وبعد تعرضه لتسمم غذائي أمر الرئيس أندريه راجولينا بإغلاق هذا المطعم الشهير في مدينة ماجونجا. وبالمقابل جذبت حادثة التسمم هذه انتباه الجزيرة بأكملها. فبينما كان الزوجان الرئاسيان ينظمان احتفالا رسميا بيوم حقوق المرأة تحول الغداء إلى كارثة. وفي الواقع، أصيب عشرات الأشخاص بالتسمم. واعتقد أن هذا التسمم الغذائي قد فتح الباب لمناقشة مسألة الإهمال في حفظ الأغذية أم مؤامرة لاغتيال الرئيس. فهل هي حقا حداثة اهمال فعلا؟ أم مؤامرة مكتملة الاركان للتخلص من الرئيس ومعاونيه؟. وللإجابة على هذا التساؤل علينا أن نتعرف على الشخص المستهدف من التسمم وهل يمكن اتهام المعارضة بالضلوع في هذا الموضوع؟

 وللتعرف على شخص الرئيس الملجاشى أندري نيرينا راجولينا فهو من مواليد 30 مايو 1974، وهو سياسي ورجل أعمال فرنسي من أصل مالاجاشي، ويشغل منصب رئيس مدغشقر منذ عام 2019. وكان رئيسًا للحكومة المؤقتة من عام 2009 إلى عام 2014 عقب أزمة سياسية وانقلاب عسكري، وكان قد شغل منصب عمدة أنتاناناريفو لمدة عام قبل ذلك. وقبل دخوله مجال السياسة، عمل راجولينا في القطاع الخاص، فى شركة طباعة وإعلان تُدعى “إنجيت” عام 1999، وشبكة “فيفا” الإذاعية والتلفزيونية عام 2007. ثم شكّل حزب “شباب مالاجاشيون عازمون” السياسي، وانتُخب عمدة أنتاناناريفو عام 2007. وخلال توليه هذا المنصب، قاد حركة معارضة ضد الرئيس آنذاك مارك رافالومانانا، والتي بلغت ذروتها في أزمة سياسية عام 2009. ثم عُيّن راجولينا رئيسًا للسلطة الانتقالية العليا في مدغشقر من قِبل مجلس عسكري، في خطوة وصفها المجتمع الدولي بالانقلاب. وحلّ راجولينا مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية، ونقل صلاحياتهما إلى مجموعة متنوعة من هياكل الحكم الجديدة المسؤولة عن الإشراف على الانتقال نحو سلطة دستورية جديدة. وتعارض هذا مع عملية تشكيل حكومة انتقالية والتى كانت بوساطة دولية. ووافق الناخبون على دستور جديد في استفتاء وطني مثير للجدل في نوفمبر 2010، مُبشرًا بتأسيس الجمهورية الرابعة. وتولى رئاسة منظمة الصحة العالمية حتى إجراء الانتخابات العامة عام ٢٠١٣، ثم استقال عام ٢٠١٤. وفاز في الانتخابات الرئاسية عام ٢٠١٨، وتولى منصب رئيس مدغشقر في ١٩ يناير ٢٠١٩. وشملت فترة ولايته توجيه استجابة الحكومة لجائحة كورونا في مدغشقر، حيث روّج لمعلومات مضللة وعلاجات غير مثبتة للمرض، بالإضافة إلى أزمة انعدام الأمن الغذائي عام ٢٠٢١ وإعصار باتسيراي. ثم فاز راجولينا في الانتخابات الرئاسية الملجاشية عام ٢٠٢٣.

 وفيما يتعلق بطبيعة حكمه ومحاولات اعتياله السابقة، فأول محاولة اغتيال تعرض لها كانت في 22 يوليو 2021، حين أعلنت الشرطة اعتقال ستة أشخاص، بينهم مواطنون أجانب. لكن بعد أشهر من التحقيق في مؤامرة اغتيال راجولينا، وجّه المدعي العام اتهاماتٍ مختلفةً ضدهم. وفي اليوم التالي، أعلن أن مواطنًا فرنسيًا واحدًا وهو عضو سابق في القوات المسلحة الفرنسية هو من نفذ المحاولة واعترضت فرنسا على تلك التهمة.  لكن على مستوى البيئة السياسية الداخلية، فقد تصاعدات المعارضة ضد الرئيس على إثر فضيحة التجسس على معارضيه عام 2023. ففي 14 أغسطس 2023، أُلقي القبض على رومي فوس أندرياناريسوا، مديرة مكتب الرئيس أندريه راجولينا، في لندن بتهمة الفساد في شركة تعدين مقرها لندن. وقد طردها راجولينا في 16 أغسطس 2023. لكن في أكتوبر2023، كشفت صحيفة ميديابارت أن الرئاسة الملجاشية حصلت على برنامج التجسس”بريداتور” في عام 2021. وأثبت تحقيق أجراه المكتب المركزي لمكافحة الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وجرائم الحرب أن قادة شركتي “نيكسا” و”إنتليكسا” صدّروا إلى الرئاسة الملجاشية أجهزة وبرامج تسمح باختراق الهواتف. وهو ما يمكن اعتباره معاملة غير مشروعة، نُفذت دون عقد وترخيص. وتم الحصول على برنامج التجسس بهدف مكافحة الفساد، ولكن عمليات الاختراق استُخدمت للتجسس على عدد من المعارضين السياسيين، بمن فيهم الصحفي المعارض، رولاند راسوامهارو، الذي سُجن لاحقًا. كما جرت اعتقالات أخرى بعد استخدام برنامج التجسس. ووفقًا لتحقيقات تقنية، استخدمت الحكومة الملجاشية برنامج “بريداتور” أيضًا خلال انتخابات عام 2023. ومع ذلك أدى راجولينا اليمين الدستورية في 16 ديسمبر 2023 لفترة ولايته الثانية كرئيس لمدغشقر وسط مقاطعة من قبل أحزاب المعارضة التي طعنت في نتائج الانتخابات التي أجريت في 16 نوفمبر. وهو ما يشى بوجود بيئة معارضة للرجل. لكن السؤال الذى يطرح نفسه هل تصل كراهية الرجل لمحاولة اغتياله بالتسمم؟ أم أن الأمر مجرد اهمال وتقصير في مثل هذه المطاعم؟

 ونبدأ من الإهمال فهل هذه التهمة جديدة في مطاعم مدغشقر؟ ام انها حدثت من قبل وكان لها صدر كبير؟ وللإجابة على ذلك نعود لنهاية عام 2023، فقد كانت هناك فضيحة تسمم شهير مرتبطة بشحنة أرز فاسد. حيث تم إعادة تعبئة هذا الأرز، والذي تم تخزينه في ميناء ماجونجا منذ عام 2017، وطرحه للتداول في السوق المحلية. وقد دفع هذا الاكتشاف إلى إجراء تحقيق كشف عن مخالفات واسعة النطاق. فتم وضع مسؤولين محليين، من بينهم مدير وزارة التجارة في منطقة بويني والمحافظ، قيد الاحتجاز. وكشفت التحقيقات عن تورط أحد أعضاء مجلس النواب، الذي تم اعتراضه أثناء محاولته مغادرة البلاد. كما صادرت السلطات أيضًا مخزونات جديدة من الأرز الفاسد في ميناء تاماتاف في يناير 2024، مما أدى إلى تفاقم المخاوف بشأن الأمن الغذائي في مدغشقر. وقد سلطت فضيحة الأرز الضوء على العيوب في إدارة مخزونات الأغذية والاستجابة البطيئة من جانب السلطات. وظلت هناك عدة أسئلة دون إجابة بشأن تورط الزعماء السياسيين في هذه القضية. فلماذا لم يتم إتلاف الأرز في وقت سابق كما تقتضي الإجراءات؟ ولماذا تأخر بعض المسؤولين في التحرك؟ وقد أثارت هذه التساؤلات انتقادات لعدم شفافية السلطات وفعاليتها في إدارة الأزمات الصحية. واعتقد أن التقصير في معالجة تلك الأزمة هي التي تسببت في توديه قضيتنا الرئيسية وهى تسمم الرئيس وعدد من أعضاء الحكومة والمجتمع المدني، لمسارات أخرى بعيدا عن جوهرها.

 وفى ضوء ما سبق نعود الى الأمر الذى صدر بإغلاق المطعم الذى تسبب في تسمم الرئيس وزوجته و50 من معاونيه. ففي نهاية غداء الاحتفال الذي جمع أعضاء الحكومة وممثلي القطاع الخاص والمجتمع المدني، أصيب نحو 50 شخصا بالتسمم، بما في ذلك رئيس الدولة وزوجته. وهو ما أقام الدنيا واقعدها في مدغشقر. الى أن طلب من الفندق الذي استضاف حفل الاستقبال يوم 12 مارس 2025، بالتوقف عن جميع أنشطة تقديم الطعام بقرار من وزارة السياحة. وأثار هذا القرار ضجة كبيرة. ومع أن الرئيس كشف لأول مرة علناً يوم الاثنين 10 مارس عن ملامح التسمم غلا أن الامر اتخذ مسارا اَخر. فبحسب إذاعة فرنسا الدولية، كشف الرئيس أندريه راجولينا أنه كان ضحية تسمم غذائي، دون تحديد الظروف الدقيقة للحادث. وطمأن الجمهور بأنه يتعافى تدريجيا من هذه الإصابة. لكن بعد 48 ساعة، سقطت الفأس على فندق كوكو بيتش، موقع حادث التسمم وأحد أبرز المؤسسات في ماجونجا، حيث أمرته الحكومة بإغلاق مطعمه على الفور. ودافعت عضو مجلس الشيوخ لالاتيانا راكوتوندرازافي، التي كانت حاضرة في الاحتفال وأصيبت بالتسمم عن قرار وزارة السياحة، مشيرة إلى وجود عشرات الأشخاص الذين تعرضوا للتسمم. وأبدى بعض السياسيين دعما أكبر لهذا الإجراء.

 بالمقابل رأى كريستيان أفاكاندرو، النائب المعارض عن ماجونجا، أن هذه العقوبة مبالغ فيها. وتذكر حينها حادثة عام 2023، مشيرا بأنه تم طرح عدة أطنان من الأرز الفاسد للبيع بموافقة كبار المسؤولين، دون صدور أي أحكام. مدينا سياسة التسرع، وداعيا إلى توجيه تحذير بسيط بدلاً من الإغلاق النهائي. مشيرا إلى أن التسمم الغذائي شائع نسبيا في ماجونجا، خاصة بسبب درجات الحرارة المرتفعة والصعوبات المرتبطة بحفظ الطعام في مثل هذا المناخ الحار. بما يدل على أن المعارضة كانت غير متوافقة مع قرار اعلان اغلاق المطعم. بل اتخذت الحادثة منحًا أكثر خطورة عندما قررت وزارة السياحة إغلاق المطعم على الفور. وأثار الإغلاق ردود فعل فورية من السكان، حيث اعتبر البعض الإجراء مبالغا فيه. في حين أيده آخرون باعتباره ضرورة صحية. واعتبروا هذه العقوبة بمثابة ضربة قاسية لمدينة ماجونجا، التي تحظى بشعبية بين السياح المحليين، والتي يعتمد اقتصادها على الفنادق والمطاعم.

 وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، قلل البعض من أهمية الأمر. وأشاروا إلى أن التسمم الغذائي أصبح شائعًا بسبب انقطاع التيار الكهربائي مما يجعل من الصعب حفظ الطعام. واحتج البعض، في حين قلل آخرون من أهمية الحادث الذي اعتبروه تافهاً بالنسبة للسكان الذين يواجهون صعوبات في حفظ الطعام بسبب انقطاع التيار الكهربائي المتكرر. وما بين قرار الحفاظ على الصحة والجدل السياسي، أثارت هذه القضية انقساماً في الرأي العام. سواء من ناحية التأثير على الاقتصاد المحلي لمدينة ماجونجا، وهي مدينة شهيرة للسياح المحليين، أو بتأثيرها على قطاع السياحة وصناعة الفنادق والمطاعم. حيث تخشى الشركات المرتبطة بالسياحة من التأثيرات طويلة المدى على صورة المدينة وأعداد الزوار. وعلى هذا لم تتخذ القضية مسارا سياسيا يتعلق بمؤامرة تتعلق بتسميم الرئيس ومعاونيه، بل ذهبت المعارضة باتجاه مسألة أخرى تتعلق بتأثير الاغلاق على الاقتصاد المحلى للمدينة وقطاع السياحة والفنادق. وربما يكون هذا الأمر مقصودا من المعارضة بحيث لا تتوجه لهم أصابع الاتهام بأنهم وراء هذه المؤامرة ومشاركين فيها.

الكاتب/د.أحمد عبد الدايم، أستاذ التاريخ السياسي والعلاقات الدولية بجامعة القاهرة

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.