كتبت: هدير البحيري
عودة أزمة السد إلى صدارة المشهد
في ظل تحديات جيوسياسية تتصاعد بوتيرة غير مسبوقة، تعود أزمة السد الإثيوبي لتتصدر المشهد الإقليمي كأحد أكثر الملفات حساسية في القارة الإفريقية. فقد رفعت القاهرة من حدة خطابها السياسي، محذرة من تهديد مباشر لأمنها المائي ووجودها ذاته، في وقت تواصل فيه أديس أبابا المضي قدمًا في مسار أحادي الجانب، وسط تحركات مصرية حثيثة لتدويل القضية عبر دبلوماسية تجمع بين التحذير والتهدئة، في إقليم تتبدل فيه موازين القوى بسرعة لافتة.
خطاب مصري أكثر حدة وتحذيرًا
تواصل القاهرة التعبير عن قلقها المتصاعد تجاه مشروع السد الإثيوبي، معتبرةً أنه يمثل أحد أخطر التحديات الاستراتيجية التي تواجه الأمن القومي المصري. وفي لهجة تعكس تصعيدًا ملحوظًا، شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على أن ما يُعرف بـ«سد النهضة» يمثل تهديدًا وجوديًا لمصر، مؤكدًا أن المشروع يُدار بإرادة أحادية.
وقال عبد العاطي: «لا نقول سد النهضة، وإنما السد الإثيوبي، لأنه ليس نهضة على الإطلاق، بل عمل أحادي الجانب»، مشددًا على أن أي مساس بالحقوق المائية المصرية سيقابل برد فعل في إطار حق الدفاع عن النفس وفقًا للقانون الدولي.
موقف رئاسي ثابت: لا تنمية على حساب الحقوق
من جانبه، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مصر لا تعارض التنمية في إثيوبيا، لكنها تتمسك بالتوصل إلى اتفاق قانوني وملزم يضمن عدم الإضرار بحقوق دولتي المصب. وشدد على أن الموارد المائية المشتركة يجب أن تُدار وفق مبادئ الاستخدام العادل والمنصف، مع رفض أي إجراءات أحادية تقوض فرص التعاون.
وأكد السيسي أن السياسة المصرية تقوم على الحوار وعدم التدخل في شؤون الدول، مع التمسك بحماية الأمن القومي باعتباره خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.
السد في سياق الأمن الإقليمي
ترى مصر أن أزمة السد لا تنفصل عن سياق أوسع يتعلق بالأمن الإقليمي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، حيث تتشابك قضايا المياه والاستقرار والتنمية ومكافحة الإرهاب. وفي هذا الإطار، تواصل القاهرة الترويج لرؤيتها للتنمية الإفريقية من خلال تعزيز الاستثمارات ودعم مشروعات البنية التحتية وبناء القدرات، انطلاقًا من قناعة بأن الاستقرار والتنمية مساران متلازمان.
إعلان إثيوبي وتصعيد في المواقف
كانت إثيوبيا قد أعلنت اكتمال بناء السد في يوليو 2025، مع تدشين رسمي في سبتمبر الماضي، مؤكدة أن المشروع يمثل «فرصة مشتركة للتنمية الإقليمية». في المقابل، أدانت القاهرة والخرطوم ما وصفتهما بالإجراءات الأحادية، معتبرتين السد تهديدًا مباشرًا للأمن المائي، خاصة أن مصر تعتمد على نهر النيل لتأمين نحو 97% من احتياجاتها المائية.
ولا تزال التوترات قائمة بين الدول الثلاث، في ظل مطالب مصر والسودان باتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد، وآليات واضحة لمراقبة التدفقات المائية وتفادي مخاطر الجفاف أو التصريفات غير المنضبطة.
قراءة تاريخية لأسباب الأزمة
في هذا السياق، قال الدكتور حسام البقيعي، مدير وحدة الدراسات الدولية بمركز «راع للدراسات الاستراتيجية»، في حديث خاص لـ«نافذة الشرق»، إن أزمة سد النهضة تمثل في جوهرها نتيجة لتراكم أخطاء السياسة الخارجية المصرية تجاه القارة الإفريقية خلال الفترة من 1971 حتى 2011.
وأوضح أن مرحلة ما بعد الرئيس جمال عبد الناصر شهدت تراجعًا ملحوظًا في الاهتمام المصري بأفريقيا، مقارنة بفترة الستينيات التي مثلت ذروة الحضور والتأثير المصري، حيث دعمت القاهرة حركات التحرر الوطني وأسهمت في تشكيل النظام الإفريقي الجديد عقب الاستقلال.
الدور المصري في أفريقيا… صعود ثم تراجع
أشار البقيعي إلى أن مصر قادت القارة الإفريقية سياسيًا خلال تلك المرحلة، بالتعاون مع قادة تاريخيين مثل كوامي نكروما، وجوليوس نيريري، وأحمد سيكوتوري، وهيلا سيلاسي، وغيرهم من «آباء القارة»، الذين أسسوا منظمة الوحدة الإفريقية، التي تحولت لاحقًا إلى الاتحاد الإفريقي.
ولفت إلى أن هذا الدور تراجع تدريجيًا بعد وفاة عبد الناصر، وتعمق عقب أحداث عامي 1977 و1995، ما أتاح لإثيوبيا استغلال الفراغ السياسي المصري للانتقال بمشروع السد من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ.
عودة الاهتمام المصري في سياق دولي مختلف
أكد البقيعي أن تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم شكّل نقطة تحول في استعادة الحضور المصري في أفريقيا، إلا أن هذه العودة جاءت في سياق إقليمي ودولي أكثر تعقيدًا، مع دخول قوى إقليمية ودولية منافسة على النفوذ داخل القارة، وتغير بنية النظام الدولي.
وأوضح أن غياب القيادات الإفريقية التاريخية المتحالفة مع مصر، وصعود قوى جديدة مثل الصين وروسيا وتركيا وإسرائيل، أعاد تشكيل معادلات النفوذ في القارة.
بين القانون الدولي والمماطلة الإثيوبية
شدد البقيعي على أن إصرار مصر على اتفاق قانوني ملزم يعكس التزامها بالقانون الدولي وتسوية النزاعات سلميًا، رغم ارتباط الملف بحياة نحو 120 مليون مصري. وأشار إلى أن سنوات التفاوض الطويلة كشفت للمجتمع الدولي حالة المماطلة الإثيوبية، خاصة بعد رفض التوقيع على اتفاق واشنطن الذي تم التوصل إليه برعاية أمريكية.
تحديات إقليمية وضغوط غير مباشرة
لفت البقيعي إلى أن بعض القوى الإقليمية، وعلى رأسها إسرائيل، تسعى لتوظيف السد كورقة ضغط سياسية على مصر، خاصة فيما يتعلق بمواقفها من القضية الفلسطينية. كما أشار إلى دور التمويل الدولي، الذي وفر لإثيوبيا دعمًا مكّنها من استكمال المشروع، وجعل بعض الدول أكثر ميلًا لتفهم الرواية الإثيوبية.
أدوات مصر وخياراتها المفتوحة
أكد البقيعي أن مصر، رغم تمسكها بالحلول الدبلوماسية، تمتلك أدوات أخرى لحماية حقوقها المائية، من بينها بناء تحالفات إقليمية، وتعزيز التعاون مع دول حوض النيل، ومنع استغلال حالات عدم الاستقرار الإقليمي للإضرار بمصالحها.
واختتم بالتأكيد على أن الدولة المصرية لن تفرّط في حقوقها المائية، وأنها مستعدة لاستخدام كافة الوسائل المشروعة للحفاظ على أمنها القومي، في إطار رؤية شاملة تعتبر أن التعاون والتنمية هما السبيل الأمثل لاستقرار القارة الإفريقية.



