كتبت: هدير البحيري
تشهد الحدود بين أفغانستان وباكستان تصعيدًا غير مسبوق بعد أشهر من التوترات وتبادل الاتهامات بدعم جماعات مسلحة.
وجاءت الغارات الجوية التي شنتها باكستان على العاصمة كابول وولايتي قندهار وبكتيكا ردًا على هجمات نفذتها طالبان الأفغانية على المناطق الحدودية، في خطوة أعادت إلى الواجهة صراعًا تاريخيًا يمتد لأكثر من قرن ويهدد استقرار المنطقة.
ويعكس هذا التصعيد تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة، ويشير إلى أن الخلافات بين الجارين تجاوزت مرحلة المناوشات لتقترب من صدامات قد تعيد رسم التوازنات الإقليمية.
جذور النزاع: خط ديورند
هذا التصعيد لا يمكن فصله عن جذور الخلاف التاريخي بين البلدين، إذ يعود النزاع إلى عام 1893، عندما رسم البريطانيون الحدود بين باكستان وأفغانستان دون مراعاة التداخلات الجغرافية والقبلية لملايين البشتون.
ويمتد خط "ديورند" على نحو 2600 كيلومتر، ويقسم شعب البشتون بين البلدين، ما جعله محورًا لخلافات مستمرة منذ عقود.
وترفض الحكومات الأفغانية المتعاقبة الاعتراف بالخط، معتبرة أنه اقتطع أراضيها، بينما تؤكد باكستان أنه معترف به دوليًا ويمثل حدودها النهائية.
وتفاقمت الأزمة بعد شروع باكستان في بناء سياج على طول الحدود، في حين تصر طالبان على أن الخط غير شرعي وتطالب باسترجاع الأراضي.
الأمن والاتهامات المتبادلة
وتتهم إسلام آباد حكومة كابول بتوفير ملاذ لعناصر طالبان الباكستانية وتنظيم داعش–ولاية خراسان المسؤول عن هجمات دامية داخل الأراضي الباكستانية، بينما تنفي كابول هذه الاتهامات وترد بأن باكستان تدعم جماعات مسلحة على أراضيها.
وتعد العلاقة التاريخية بين طالبان الأفغانية وطالبان الباكستانية أحد أبرز عناصر التعقيد، خاصة بعد أن استفادت طالبان الأفغانية في الماضي من الدعم العسكري واللوجستي لطالبان الباكستانية خلال الحرب ضد القوات الأمريكية.
أبعاد إقليمية ودبلوماسية
إلى جانب الخلافات الحدودية والأمنية، برزت التوترات الإقليمية والتحالفات الاقتصادية الجديدة كعامل مضاعف للأزمة.
فمنذ استعادة طالبان للسلطة عام 2021، بدأت أفغانستان في تنويع علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع الهند والصين وروسيا بهدف الحد من تبعيتها التاريخية لباكستان.
وكانت زيارة وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي إلى نيودلهي في أكتوبر 2025 لتعزيز العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية نقطة توتر جديدة بالنسبة لإسلام آباد، التي ترى في هذا التقارب فرصة للهند لتعزيز نفوذها داخل أفغانستان واستخدام أراضيها كقاعدة محتملة ضد مصالحها الاستراتيجية.
كما تسعى أفغانستان لتعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا، ما يزيد من القلق الباكستاني بشأن توازن القوى في المنطقة.
وتمتد تبعات هذا النزاع إلى المستويين الثنائي والإقليمي. فعلى الصعيد الثنائي، تهدد المواجهات استقرار المناطق الحدودية وتعيد ملف خط "ديورند" إلى الواجهة، ما يجعل أي اتفاق مؤقت هشًا للغاية.
أما على الصعيد الإقليمي، فالتصعيد قد يؤثر على التوازنات مع الهند والصين وروسيا، ويزيد من مخاطر تحول النزاع إلى مواجهة أوسع في منطقة تضم قوتين نوويتين.
كيف تقرأ إسلام آباد المشهد على حدودها مع أفغانستان؟
وفي هذا السياق، قال الصحفي والمراسل الباكستاني، محمد طلحة أكرم، في حديث لـ"نافذة الشرق" إن إسلام آباد لا تتعامل مع ما يجري على حدودها مع أفغانستان باعتباره حربًا تقليدية بين دولتين، بل تعتبره عملية أمنية تهدف إلى احتواء ما تصفه بظاهرة الإرهاب العابر للحدود، مؤكدًا أن الخطاب الرسمي الباكستاني لا يزال يعلن التمسك بمبدأ حسن الجوار رغم التصعيد العسكري القائم.
وأوضح أكرم أن عملية "غضب الحق" التي أطلقتها باكستان تجاوزت مجرد ضربات محدودة، إذ استهدفت عشرات المواقع داخل الأراضي الأفغانية، إلى جانب تدمير نقاط وآليات قتالية وسقوط مئات القتلى والجرحى في صفوف طالبان الأفغانية.
ويرى أن اتساع حجم الضربات يعكس رسالة ردع واضحة مفادها أن إسلام آباد لن تكتفي بالاحتواء الدفاعي، بل ستنقل المعركة إلى عمق الأراضي التي تنطلق منها الهجمات.
وأشار أكرم إلى أن الهجمات على مواقع باكستانية في بلوشستان وخيبر بختونخوا تعكس قدرة طالبان والجماعات المتحالفة معها على ممارسة الضغط الميداني المستمر، ما يجعل المشهد أقرب إلى استنزاف متبادل أكثر من مواجهة محدودة.
ورغم هذا التصعيد، استبعد تحول التوتر إلى حرب شاملة، معتبرًا أن طبيعة السلطة الحاكمة في أفغانستان تجعل الحرب التقليدية أقل احتمالًا.
وحذر أكرم من تصاعد نمط "الحرب غير المباشرة" في ظل نشاط جماعات مسلحة مناهضة لباكستان، وعلى رأسها حركة طالبان الباكستانية، مشيرًا إلى أن هذا التشابك الأيديولوجي يرفع من مستوى المخاطر ويطيل أمد التوتر.
وبشأن الدور الهندي، قال أكرم إن باكستان تنظر بريبة إلى أي تحركات إقليمية قد تستغل الوضع الراهن، معتبرًا أن اتهاماتها لنيودلهي بدعم جماعات مسلحة جزء من صراع النفوذ التاريخي في جنوب آسيا.
وحذر من أن استمرار العمليات العسكرية دون مسار سياسي موازٍ سيؤدي إلى ترسيخ حالة عدم الاستقرار على مستوى الإقليم بأكمله.
وأكد أكرم أن المدنيين في المناطق الحدودية هم الأكثر تضررًا، سواء من المخاطر الأمنية المباشرة أو التداعيات الاقتصادية.
ورجح أكرم أن العمليات العسكرية قد تحقق مكاسب تكتيكية مؤقتة، لكنها لا تشكل حلًا استراتيجيًا طويل الأمد، مشددًا على أن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا عبر مقاربة دبلوماسية تعالج جذور الأزمة بدل الاكتفاء بمظاهرها.
الموقف الأفغاني من الأزمة: حياد حذر وتخوف من تداعيات اقتصادية وأمنية
ومن جانب أفغانستان، قال الكاتب الصحفي الأفغاني، جمشيد فاضل لـ"نافذة الشرق" إن الموقف الرسمي في كابول يقوم على الحياد الحذر والدعوة إلى خفض التصعيد، مؤكدًا أن الحكومة لا ترغب في أن تتحول أفغانستان إلى ساحة صراع إقليمي أو جزء من أي محور سياسي أو عسكري.
وأوضح أن بلاده لا تظهر أي نية للانخراط العسكري المباشر، بينما يتركز القلق على الارتدادات غير المباشرة، مثل إغلاق الحدود، تعطل التجارة، واحتمالات النزوح.
وقال فاضل إن كابول تتعامل مع دور الهند وباكستان من زاوية توازن العلاقات الإقليمية، فالعلاقة مع باكستان تبقى حساسة بسبب الملفات الحدودية والأمنية، فيما تحافظ على قنوات تواصل اقتصادية وسياسية مع الهند دون الانجرار لأي اصطفاف.
وأشار إلى أن أي تصعيد بين القوتين النوويتين سينعكس فورًا على أمن المنطقة، ما يدفع القيادة الأفغانية لتجنب تحول البلاد إلى ساحة تنافس جيوسياسي جديد.
وأضاف فاضل أن آثار الأزمة بدأت تظهر داخليًا، حيث ارتفعت أسعار الغذاء والوقود نتيجة اضطراب التجارة، وتباطأت حركة الشاحنات والمعابر، وازدادت حالة القلق بين السكان والتجار.
وأوضح أن الحكومة تعمل على تعزيز الإجراءات الأمنية، مراقبة الأسواق، وإبقاء الحدود التجارية مفتوحة قدر الإمكان، ما جعل التأثير حتى الآن اقتصاديًا ونفسيًا أكثر منه أمنيًا مباشرًا.
وأشار فاضل إلى وجود إدراك إقليمي متزايد بأن أي تصعيد واسع سيضر بالجميع، خاصة دول آسيا الوسطى وجنوب آسيا.
واعتبر أن الصين قادرة على لعب دور في الوساطة غير المباشرة، بينما يبقى دور المجتمع الدولي مرتبطًا بمدى استعداد الأطراف للتهدئة. لكنه شدد على أن الأزمة مرتبطة بتوازنات استراتيجية معقدة، ما يجعل جهود التهدئة تدريجية وليست فورية.
وفي قراءته للسيناريوهات المقبلة، رجح فاضل استمرار التوتر المحدود دون توسع عسكري كبير، مع بقاء الضغوط السياسية والاقتصادية قائمة.
وقال إن احتمال توسع الضربات وارد بشكل محسوب، بما قد ينعكس على التجارة والطيران والطاقة، بينما يبقى أقل الاحتمالات هو انزلاق الأزمة إلى مواجهة إقليمية واسعة، وهو سيناريو تحاول جميع الأطراف تجنبه بسبب كلفته العالية.
كيف تقرأ نيودلهي التوتر على حدود باكستان وأفغانستان؟
ومن الهند، قال المحلل والباحث في الشؤون الاستراتيجية والجيوسياسية، محمد ريحان رجبوت لـ"نافذة الشرق" إن نيودلهي تتبع مقاربة قائمة على مسافة محسوبة وانخراط هادئ تجاه الوضع في أفغانستان.
وأوضح أن الهند أعادت فتح قنوات دبلوماسية محدودة مع سلطات طالبان دون الاعتراف الرسمي بها، بهدف منع استخدام الأراضي الأفغانية من قبل مجموعات مناهضة للهند، والحفاظ على حضور إنساني، ومراقبة تطور الشبكات المسلحة.
ويرى رجبوت أن الهند لا تميل إلى استغلال المواجهة بين باكستان وحركة طالبان الباكستانية بشكل مباشر، لكن استمرار هذا الصراع يحد من القدرات الاستراتيجية لإسلام أباد، إذ يشتت الجيش الباكستاني على جبهتين، ويستنزف موارده الداخلية، ويقلل قدرته على الضغط شرقًا.
ومع ذلك، تبقى أي مكاسب هندية محتملة مشروطة؛ فأفغانستان غير المستقرة، التي تتجزأ إلى كيانات مسلحة متنافسة، قد تخلق بيئة إقليمية هشة، بما في ذلك مخاطر تمدد التطرف، ولهذا تركز نيودلهي على الاحتواء والصبر الاستراتيجي.
وأشار رجبوت إلى أن التوترات الحالية تضعف مبدأ "العمق الاستراتيجي" وتعزز الحدود الصلبة على طول خط دورند.
وقد يؤدي استمرار الأزمة إلى تعزيز الوجود العسكري على الحدود وزيادة التشظي داخل الشبكات المسلحة الممتدة عبر شريط أفغانستان–باكستان.
وأضاف أن عدم الاستقرار في أفغانستان يحمل تداعيات إقليمية واسعة، تمتد من تأثيره على استثمارات الصين في مشروع "طريق الحرير الباكستاني"، إلى أمن الحدود الشرقية لإيران، ومخاوف مكافحة الإرهاب في دول آسيا الوسطى، مؤكدًا أن التنسيق الإقليمي، سواء عبر منصات متعددة الأطراف أو من خلال دبلوماسية ثنائية هادئة، سيكون عنصرًا حاسمًا لمنع تحول النزاعات المحلية إلى عداء مستمر بين الدول.
ويتوقع رجبوت أن المرحلة المقبلة ستشهد صراعًا منخفض الشدة، يتجلى في ضربات جوية، تبادلات مدفعية، غارات عبر الحدود، وردود انتقامية من الجماعات المسلحة.
وقد تواصل باكستان تنفيذ عمليات محدودة داخل الأراضي الأفغانية لمنع ترسيخ ملاجئ لحركة طالبان الباكستانية، بينما تحاول سلطات طالبان الموازنة بين التزاماتها الأيديولوجية ومتطلبات بقاء النظام.
كما قد تواجه طالبان ضغوطًا داخلية إذا فشلت في احتواء نشاط طالبان الباكستانية، ما قد يؤدي إلى انقسامات أو اضطرابات محلية.
ويظل احتمال اندلاع حرب تقليدية واسعة بين باكستان وأفغانستان ضعيفًا، لغياب القدرة الاقتصادية والدافع الاستراتيجي لدى الطرفين.
ويخلص رجبوت إلى أن المشهد يتجه نحو حالة من عدم الاستقرار المزمن أكثر من انزلاقه إلى حرب حاسمة، مع استمرار مواجهة محسوبة تعيد تشكيل الحسابات الأمنية داخل باكستان أكثر من تأثيرها على التوازنات الرسمية في جنوب آسيا.



