كتبت: علياء الهواري
رغم ما أنفقته الدولة من مليارات الجنيهات خلال السنوات الأخيرة لتطوير الشبكة الكهربائية وتحسين كفاءتها، ظل المواطن الملتزم بسداد فواتير الكهرباء يطرح السؤال ذاته على فترات متقاربة : لماذا لا ينعكس هذا الإنفاق على جودة الخدمة بشكل واضح ومستقر؟ سؤال يتجاوز كونه شكوى موسمية، ليكشف عن أزمة أعمق تتعلق بالعدالة داخل مرفق حيوي يمس حياة الملايين يوميًا.
هذا السؤال يرتبط مباشرة بملف بالغ الحساسية داخل قطاع الكهرباء، وهو ملف الفقد التجاري وسرقة التيار، والذي بات يمثل عبئًا اقتصاديًا وفنيًا يهدد استقرار الشبكة بأكملها، ويدفع ثمنه في النهاية المواطن الملتزم بالقانون.
فى هذا الإطار الدكتور أحمد الشناوي، خبير الطاقة الكهربائية، يوضح أن الفقد التجاري في الشبكة هو الفرق بين كمية الطاقة التي تشتريها شركات التوزيع من محطات إنتاج الكهرباء، وبين الكمية التي يتم بيعها فعليًا للمشتركين.
الفقد التجاري وأثره على الشبكة
هذا الفقد يحدث عندما يحصل بعض العملاء على التيار الكهربائي دون أن يُسجل في العدادات، وبالتالي دون سداد قيمته، وهو ما يؤدي مباشرة إلى نقص السيولة المالية لدى وزارة الكهرباء.
وبحسب الدكتور الشناوي، فإن هذا النقص لا يظل مجرد رقم محاسبي في دفاتر الوزارة، بل ينعكس على قدرة شركات التوزيع على تنفيذ أعمال الصيانة والإحلال والتجديد لمهمات الشبكة الكهربائية.
ومع تراجع هذه الأعمال، تضعف كفاءة الشبكة ويزداد خطر انقطاع التيار الكهربائي، في وقت تتحمل فيه الشبكة أحمالًا مرتفعة، خاصة خلال فترات الذروة. ويشير إلى أن الفقد التجاري وصل في بعض شركات التوزيع إلى نحو 25 في المئة، بقيمة مالية تتجاوز 22 مليار جنيه، وهي أرقام تفسر حجم الأزمة التي تواجهها الدولة في هذا الملف.
الشعور بعدم العدالة لدى المواطن
المفارقة، بحسب الشناوي، أن الدولة أنفقت مليارات الجنيهات لتحسين الشبكة الكهربائية، ومع ذلك لم يشعر المواطن الملتزم بتحسن ملموس لفترات طويلة، رغم التزامه بسداد الفواتير بانتظام وعدم تورطه في سرقة التيار.
هذا الواقع خلق إحساسًا متزايدًا لدى شريحة واسعة من المواطنين بغياب العدالة، حيث يدفع الملتزم ثمن مخالفة غيره، سواء في صورة انقطاعات متكررة أو تراجع في جودة الخدمة.
في مواجهة هذا الوضع، اتجهت الحكومة خلال السنوات الماضية إلى تشديد العقوبات على سارقي التيار الكهربائي، من خلال تحرير محاضر سرقة ورفعها إلى القضاء.
العقوبات السابقة وضرورة الإصلاح
وكانت العقوبات تشمل الحبس لمدة لا تقل عن ستة أشهر، وغرامات مالية تبدأ من عشرة آلاف جنيه وتصل إلى مائة ألف جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين، بالإضافة إلى إلزام المخالف بسداد قيمة التيار المسروق، وغرامة تعادل ضعف قيمة هذا التيار لمدة تصل إلى 12 شهرًا كحد أقصى.
إلا أن التطبيق العملي لهذه السياسة أدى إلى تكدس شديد في المحاكم وتحميل أعباء إضافية على السادة القضاة، نتيجة العدد الكبير من محاضر سرقات التيار الكهربائي.
وجاء ذلك في وقت تتجه فيه الدولة إلى التحول الرقمي وتخفيف الزحام داخل المصالح الحكومية، ما دفع الحكومة إلى إعادة النظر في فلسفة التعامل مع مخالفات الكهرباء، والبحث عن حلول أكثر مرونة تحقق الردع وتحافظ في الوقت نفسه على استقرار المرفق العام.
التعديلات الجديدة وأهدافها
في هذا السياق، وافق مجلس الشيوخ في جلسته المنعقدة يوم الأحد 25 ديسمبر 2025 على مشروع القانون المقدم من الحكومة لتعديل بعض أحكام قانون الكهرباء، من خلال تعديل المادتين 70 و71 واستحداث مادة جديدة برقم 71 مكرر.
ويؤكد الشناوي أن هذه التعديلات تستهدف في جوهرها الفصل بين أنواع الجرائم المختلفة، وتحديد العقوبات بشكل أكثر دقة، بما يحقق التوازن بين الردع وعدم إنهاك المنظومة القضائية.
وبالتوازي مع ذلك، يوضح الدكتور محمدعويان ، المحامي، أن سرقة التيار الكهربائي تُعد في الأساس جنحة معاقبًا عليها بنصوص قانون العقوبات، شأنها شأن أي جنحة أخرى، وأن إمكانية التصالح في قضايا سرقة الكهرباء ليست مستحدثة بالكامل، بل كانت قائمة قبل التعديلات الأخيرة.
فلسفة التصالح والردع المالي
ويؤكد عنوان أن فلسفة التصالح في هذا النوع من القضايا مادية بالأساس، لأن الدولة لا تستفيد من حبس المستهلك بقدر استفادتها من استرداد قيمة الاستهلاك والمال العام الذي تم الاستيلاء عليه.
ويشير إلى أن التعديلات الجديدة رفعت سقف الغرامات بشكل كبير، حيث كانت الغرامة في القانون السابق تتراوح بين عشرة آلاف ومائة ألف جنيه، بينما تبدأ في التعديلات الجديدة من خمسين ألف جنيه وقد تصل إلى مليون جنيه، بهدف تحقيق الردع الحقيقي ومنع التفكير في سرقة التيار.
ويرى أن سرقة الكهرباء ليست اعتداءً على الدولة فقط، بل على مرفق يخدم المجتمع بأكمله، إذ تؤدي الأحمال غير القانونية إلى ضعف الجهد أو انقطاع التيار عن المواطنين الملتزمين، بما يخل بمبدأ العدالة الاجتماعية.
الاعتراضات السياسية والبرلمانية
ورغم ما يراه الخبراء من ضرورة الردع، فإن التعديلات لم تمر دون اعتراضات سياسية وبرلمانية. رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع في مجلس النواب، عاطف المغاوري، عبّر عن تحفظات واضحة، مؤكدًا أن شركات الكهرباء تُحمّل المواطنين أعباء مالية كبيرة لا ذنب لهم فيها.
ويروي تجربة شخصية له مع التحول الإجباري من العداد الرقمي إلى عداد الكارت، حيث فوجئ بمبالغ يتم تحصيلها دون وضوح في أسبابها، وحين حاول الاستفسار لم يجد جهة تستمع إليه، معتبرًا أن هذا النموذج يعكس تحميل الفاقد على المواطنين بدلًا من معالجته من جذوره.
ويطرح المغاوري إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة السوق، متسائلًا عن معنى معالجة الوضع الاحتكاري القائم، وهل المقصود هو فتح المجال لوجود بائعين آخرين لخدمة الكهرباء من خلال الخصخصة أو إدخال القطاع الخاص.
الشفافية والعدالة الاجتماعية
ويؤكد أن المواطن لا يملك أي بديل آخر لشراء الكهرباء سوى الشركات الحكومية، وهو ما يمنحها قدرة على فرض التسعير دون رقابة حقيقية من أجهزة حماية المستهلك أو حماية المنافسة، أو حتى رقابة مجتمعية فعالة.
وبحسب المغاوري، فإن غياب الشفافية في تسعير الكيلو وات أدى إلى تحميل فواتير الكهرباء أعباء لا تتعلق فقط بإنتاج الخدمة واستمراريتها، بل تشمل أيضًا كامل مخصصات المرتبات والمكافآت داخل الشركات، بصرف النظر عن مدى الحاجة الفعلية لها، فضلًا عن تحميل ما يقارب 50 مليار جنيه قيمة فاقد وسرقة التيار على فواتير المواطنين المنتظمين في السداد.
ويرى أن الحل لا يكمن فقط في تغليظ العقوبات، بل في إتاحة شفافية كاملة في تسعير الكهرباء، وفتح البيانات أمام مراكز الأبحاث ومجلس النواب، لمعرفة التكلفة الحقيقية لإنتاج الخدمة، وما هو الجزء الضروري لضمان استمراريتها، وما هو الجزء الذي يمكن وقفه أو مراجعته دون تحميل المواطن أعباء إضافية.
المعركة التشريعية بين الردع والعدالة
بينما تؤكد الحكومة أن هدف التعديلات هو حماية الشبكة وضمان حق المواطن الملتزم، يرى معارضو القانون أن العدالة الاجتماعية لن تتحقق دون معالجة الأسباب الحقيقية لانتشار سرقة التيار، وعلى رأسها غياب الشفافية والشعور بعدم المساواة بين من يدفع ومن لا يدفع.
ومع إحالة مشروع القانون إلى مجلس النواب في دور الانعقاد القادم، تظل الكلمة النهائية بيد البرلمان، في معركة تشريعية مفتوحة بين منطق الردع وحسابات العدالة الاجتماعية، لم تُغلق فصولها بعد.



