كتبت: علياء الهواري
أثارت صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل جدلاً واسعًا في الأوساط الاقتصادية والسياسية، خاصة في ظل تأكيد الحكومة مرارًا وتكرارًا أن الصفقة تجارية بحتة وليست مدخلاً لتقارب سياسي بين البلدين.
وفي محاولة لفهم أبعاد هذه الصفقة، أجرى فريقنا الصحفي حوارين متتاليين مع الباحث السياسي محمد أيمن، والدكتور خالد عمر رحومة الخبير الاقتصادي، لتوضيح أهم الجوانب الاقتصادية والسياسية لها، وما تعنيه للمواطن المصري العادي.
أوضح الباحث السياسي محمد أيمن أن الفصل بين الاقتصاد والسياسة في هذه الصفقة نظري أكثر منه واقعي، مؤكدًا أن الاقتصاد والسياسة أدوات متكاملة، وفي العالم يمكن استخدام الاقتصاد لتحقيق مكاسب سياسية، والعكس صحيح.
أبعاد الصفقة وأهدافها
وأضاف أيمن أن الصفقة تعتبر في جوهرها صفقة أمريكية أكثر من كونها صفقة مصرية أو إسرائيلية، لأن الشركات المشغلة للآبار إسرائيلية وأمريكية، ويُنظر إليها ضمن إطار الدبلوماسية الاقتصادية.
وأشار أيمن إلى أن هذه الصفقة تهدف إلى تهدئة الأجواء بين مصر وإسرائيل وتمديد أمد العلاقات الثنائية، مع الحفاظ على مواقف مصر السياسية الصريحة وعدم التنازل عن حقوقها أو سيادتها.
ورأى أن الهدف من الصفقة ليس فتح صفحة جديدة من التعاون السياسي، بل الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتفادي تصعيد العلاقات في أوقات التوتر.
تأثير الصفقة على المواطن
أثار موضوع الغاز المستورد الأقل تكلفة من بدائل أخرى، مثل الغاز المسال، سؤالًا مهمًا: لماذا لا يشعر المواطن المصري بتأثير مباشر على فاتورة الكهرباء والغاز؟
أجاب أيمن أن الغاز لم يصل بعد إلى مرحلة التوزيع المكثف، وأن مصر كانت بالفعل في مرحلة اكتفاء ذاتي جزئي، ما جعل انخفاض السعر لا ينعكس فورًا على المستهلك.
وأكد أن الربط بأسعار السوق العالمية والبنية التحتية الحالية لعب دورًا في هذا التأخير، كما أن توزيع الغاز على المصانع ومحطات الطاقة له تأثير مباشر على حجم الفائدة المباشرة للمواطن.
مصر مركز إقليمي للطاقة
وأضاف أيمن أن مصر من الدول القليلة في المنطقة التي تمتلك وحدات تسييل الغاز، وهو ما يمنحها ميزة نادرة كمركز إقليمي للطاقة.
وأوضح أن هذه الميزة تحولت إلى قوة تفاوضية، حيث يجبر وجود البنية التحتية الدول المصدرة على التوافق مع شروط مصر عند تصدير الغاز إليها.
وأشار إلى أن جزءًا من الغاز المستورد يُعاد تسييله وتصديره، ما يوفر هامش ربح اقتصادي يعزز قدرة الدولة على إدارة ميزان المدفوعات ودعم المشاريع الإنتاجية.
الربح الاقتصادي وأمان الإمدادات
وأكد أيمن أن مصر تحقق ربحًا اقتصاديًا من الصفقة عبر استيراد الغاز بسعر أقل من الغاز المسال، ثم تسييله وبيعه محليًا أو دوليًا.
ولفت إلى أن جزءًا من الغاز المستورد يُستخدم لتغطية الاحتياجات المحلية، وهو ما يعزز الأمان الإمدادي ويضمن استقرار السوق الداخلي.
وأضاف أن هذه الآلية توفر للدولة هامشًا اقتصاديًا يمكن استثماره في دعم الاقتصاد الوطني، بعيدًا عن الإنفاق الاستهلاكي المباشر.
سيادة مصر واستقلالية القرار
أوضح أيمن أن الشركات المشغلة للآبار أجنبية بالكامل، مما يضمن أن توقف الإمدادات سيكون له أثر اقتصادي محدود على مصر، بينما تتحمل الشركات الأجنبية الخسائر المالية.
وأكد أن الدولة المصرية تبقى ملتزمة بسيادتها، وأن أي ضغوط خارجية للتأثير على الصفقة يتم التعامل معها بحزم، بما يحافظ على حقوق مصر ومكتسباتها.
وأشار الخبير الاقتصادي الدكتور خالد عمر رحومة إلى أن الصفقة الاقتصادية لا تغير مواقف مصر السياسية، فهي مجرد اتفاق تجاري لتأمين الإمدادات وخفض التكاليف، بينما العلاقة السياسية تبقى مستقلة.
وأوضح رحومة أن انخفاض أسعار الغاز المستورد يمكن نظريًا أن يقلل من تكلفة توليد الكهرباء، وبالتالي تخفيض فاتورة الطاقة على المواطن، لكن عمليًا يؤخذ في الاعتبار التزامات الدولة الأخرى مثل دعم السلع، الديون، وأجور العاملين، ما قد يؤدي إلى ثبات الفاتورة على الرغم من التوفير.
أثر محدود على السوق المحلي
أضاف رحومة أن حجم الصفقة الحالي يشكل أقل من 10٪ من احتياجات مصر من الغاز، وبالتالي تأثيرها المباشر محدود على السوق المحلي في الوقت الحالي.
وأكد أن امتلاك مصر لوحدات التسييل في إدكو ودمياط يجعلها مركزًا إقليميًا للطاقة، ويتيح لها استغلال الفرص المتاحة خاصة في حال وجود مشاكل إقليمية في سوق الغاز، كما حدث بين روسيا وأوروبا.
وأشار إلى أن الصفقات الحالية تعزز قدرة مصر على استقبال الغاز، تسييله، وإعادة تصديره، ما يعكس إدارة مستدامة للموارد على المدى الطويل حتى 2040.
استراتيجيات بديلة وإدارة الموارد
وأوضح رحومة أن البدائل الاقتصادية تشمل استيضراد الغاز المسال من السوق المفتوحة، أو الاعتماد على الطاقة المتجددة التي لم تصل بعد إلى القدرة على سد الفجوة بالكامل.
كما أشار إلى أن ترشيد الاستهلاك في القطاعات الإنتاجية قد يخفّض الفاتورة لكنه يحد من النشاط الصناعي. بالتالي، الصفقة الحالية توفر أمانًا إمداديًا وتكاليف أقل، ضمن استراتيجية مستدامة لإدارة الموارد.
تظل صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل تجارية بحتة، دون أن تؤثر على المواقف السياسية لمصر.
تمثل الصفقة خطوة استراتيجية تهدف إلى خفض التكاليف، تحقيق أرباح اقتصادية، وتعزيز الأمان الإمدادي كما تمنح مصر موقعًا متقدمًا كمركز إقليمي للطاقة، مع الحفاظ على سيادتها ومواقفها السياسية، ما يعكس قدرة الدولة على إدارة مواردها بكفاءة، دون المساس بمبادئها أو مصالحها الوطنية.



