كتبت: علياء الهواري
لحظة الحقيقة: القارة السمراء في مواجهة "الوصاية"
في لحظة فارقة من تاريخ القارة السمراء، انعقدت قمة أديس أبابا بينما تتصاعد موجات الاضطراب السياسي والأمني في أكثر من إقليم إفريقي، لتضع القادة أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتهم على إدارة أزماتهم الداخلية بعيدًا عن الوصاية الدولية وصراعات النفوذ التي تحيط بالقارة من كل اتجاه. القمة التي استضافتها أديس أبابا تحت مظلة الاتحاد الإفريقي جاءت في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتشابك ملفات الأمن مع الاقتصاد، وتتصادم رهانات التنمية مع حقائق الانقسام السياسي.
الغرب الإفريقي: ساحة مفتوحة للصراع الدولي الجديد
في هذا السياق، يؤكد الباحث في الشؤون الإفريقية إسلام نجم الدين أن هذه القمة تعد واحدة من أكثر القمم التي واجهت تراكمًا معقدًا من الأزمات؛ فالاضطراب لم يعد حالة عابرة في دولة أو إقليم، بل أصبح سمة ممتدة من غرب القارة إلى شرقها. ويشير "نجم الدين" إلى أن غرب إفريقيا يشهد إعادة تنشيط لعمليات جماعة "بوكو حرام"، لا سيما في النيجر ونيجيريا، في ظل بيئة سياسية هشة تتنازعها الانقلابات العسكرية وتراجع الثقة في النخب الحاكمة. وتزداد الصورة قتامة مع دخول المنطقة في دوامة صراع دولي؛ حيث تتواجد قوات "فاغنر" الروسية في وسط وغرب القارة، بالتزامن مع التدخلات العسكرية الأمريكية والصراع الفرنسي للحفاظ على النفوذ التقليدي، مما يحول الأراضي الإفريقية إلى مسرح مباشر للمواجهة بين روسيا والغرب بأدوات محلية.
الشرق الملتهب: أطماع السيادة وتهديدات القرن الإفريقي
أما في شرق القارة، فتتعدد بؤر التوتر بداية من أزمة سد النهضة التي ما زالت تمثل نقطة خلاف حادة، وصولًا إلى التحركات الإثيوبية الأخيرة. ويضيف "نجم الدين" أن قرار إثيوبيا توقيع مذكرة تفاهم مع ما يسمى "أرض الصومال" يمثل انتهاكًا للأعراف الدولية وقرارات الاتحاد الإفريقي الداعمة لوحدة الصومال. كما أن محاولات أديس أبابا لإشعال خلاف مع إريتريا تحت شعار "حق الوصول إلى البحر" تمثل مؤشرًا خطيرًا على قابلية المنطقة لانفجار صراع جديد قد يعيد خلط الأوراق في القرن الإفريقي ويؤثر بشكل مباشر على الأمن البحري والتجاري في البحر الأحمر.
بين الخطاب والفعل: حدود الدور الإفريقي والموقف المصري
ورغم هذا المشهد المتخم بالأزمات، يرى الباحث أن القمة لم تقترب بشكل مباشر من معالجة هذه الملفات الشائكة، واكتفت في كثير من الأحيان بصياغات سياسية عامة لا ترقى إلى مستوى الحلول العملية الملزمة. ومع ذلك، أوضح أن هناك جهودًا لافتة، خاصة من الجانب المصري داخل "لجنة السلم والأمن" التابعة للاتحاد الإفريقي؛ حيث تم إقرار رفض أي حكومة موازية في السودان، والتأكيد الحاسم على رفض الاعتراف بأي اتفاق يمس سيادة الصومال، إلا أن حجم التحديات يفوق بكثير ما صدر من قرارات، مما يطرح تساؤلًا حول جدوى الآليات الحالية دون وجود قوة تنفيذية.
فخ "التدويل": حين تتحول الأوطان إلى حروب بالوكالة
التحدي الأكبر، كما يراها "نجم الدين"، يتمثل في أن عددًا كبيرًا من الدول الإفريقية يقع ضمن فلك قوى دولية أو إقليمية تلعب لمصالحها الخاصة، مما يجعل أي أزمة داخلية قابلة للتحول فورًا إلى "حرب بالوكالة". هذا التشابك بين المحلي والدولي لا يهدد استقرار الدولة المعنية فحسب، بل ينعكس سلبًا على القارة بأكملها؛ فانتشار الإرهاب يفتح الحدود أمام موجات النزوح والسلاح، والانقلابات العسكرية تخلق مناخًا من عدم اليقين يضرب الاستثمارات الإقليمية، بينما تعطل النزاعات الحدودية مشروعات البنية التحتية العابرة للدول وتضعف فرص تحقيق منطقة تجارة حرة فعالة.
مفترق طرق: إصلاح المؤسسات أو تكرار الأخطاء
تبدو قمة أديس أبابا وكأنها تقف عند مفترق طرق: إما أن تتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة مفهوم الأمن الإفريقي المشترك، أو تظل محطة بروتوكولية تتكرر فيها البيانات دون تغيير حقيقي. يتساءل "نجم الدين": هل تتعلم إفريقيا من تجاربها السابقة أم تعيد إنتاج الأخطاء ذاتها؟ فالتاريخ الحديث للقارة حافل بمبادرات تعثرت بسبب تضارب المصالح الوطنية وضعف الإرادة الجماعية. ومع ذلك، فإن وجود أطر مؤسسية مثل الاتحاد الإفريقي يمنح فرصة لتصحيح المسار إذا توفرت آليات تنفيذ حقيقية وإرادة لاستقلال القرار.
معادلة البقاء.. حلول إفريقية أم تصفية حسابات؟
في المحصلة النهائية، تبدو إفريقيا اليوم أمام معادلة صعبة: إما أن تعزز منطق "الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية" عبر تفعيل أدواتها المؤسسية ومواجهة التدخلات الخارجية بقرار جماعي مستقل، أو تترك الساحة مفتوحة لتصفية حسابات دولية على أراضيها. قمة أديس أبابا لم تقدم كل الإجابات، لكنها كشفت بوضوح حجم التحدي وحتمية التحرك العاجل. وكما يؤكد الباحث، فإن استقرار أي دولة إفريقية لم يعد شأنًا محليًا، بل بات جزءًا من أمن القارة بأسرها؛ ويبقى الرهان الأخير على إرادة سياسية قادرة على تحويل الخطاب إلى فعل، وصياغة مستقبل إفريقي بأيدٍ إفريقية.


