علياء الهواري
تحولات جيوسياسية: دلالات التواجد العسكري غير المسبوق
في خطوة لافتة أعادت تسليط الضوء على تحولات المشهد الجيوسياسي في القرن الأفريقي، أعلنت مصر مشاركتها بقوات عسكرية ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، في تحرك هو الأول من نوعه بهذا الحجم والطبيعة. فتح هذا القرار باب التساؤلات حول دلالاته الاستراتيجية وأبعاده المرتبطة بالأمن القومي المصري والتوازنات الإقليمية المتغيرة، ولا سيما في ظل التوترات مع إثيوبيا في ملف سد النهضة، ومذكرة التفاهم المثيرة للجدل بين أديس أبابا و"أرض الصومال".
الشرعية الدولية والرسائل المبطنة: أبعاد التحرك المصري
وفي حوار مع أحمد شاهر فرغل، باحث الدكتوراه في العلوم السياسية والاستراتيجية والمتخصص في العلاقات الدولية، قدم قراءة تحليلية معمقة تشرح خلفيات القرار وتداعياته المحتملة يرى "فرغل" أن هذا القرار لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الراهن، موضحًا أن الخطوة المصرية تقوم على بعدين رئيسيين:
البعد الأول (رسمي وشرعي): يتمثل في استجابة القاهرة لطلب الحكومة الفيدرالية الصومالية، والمشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار وبناء قدرات الجيش الصومالي في مواجهة حركة "الشباب"، وهو ما يمنح التحرك المصري غطاءً دوليًا وإقليميًا بصفته تحركًا متعدد الأطراف لا أُحادي الهدف.
البعد الثاني (غير مباشر): يحمل رسائل استراتيجية واضحة باتجاه إثيوبيا، حيث يربط بين الانتشار في الصومال والخلافات حول سد النهضة والأمن المائي. ويمثل هذا التواجد حضورًا في العمق الاستراتيجي الإثيوبي، ليرسل رسالة مفادها أن التأثير المتبادل لم يعد محصورًا داخل حدود الجغرافيا التقليدية.
شريان الحياة: أمن البحر الأحمر وقناة السويس
وأشار الباحث إلى أن البحر الأحمر يشكل محورًا مركزيًا في الحسابات المصرية، لكونه شريانًا تجاريًا وأمنيًا مرتبطًا مباشرة بقناة السويس، التي تعد من أهم مصادر العملة الصعبة للدولة. وعليه، فإن تأمين الممرات البحرية، وخاصة مضيق "باب المندب"، لا يتحقق فقط عبر الوجود البحري، بل يتطلب دعم استقرار الدول المطلة على هذا الممر الحيوي، وعلى رأسها الصومال.
مذكرة "أرض الصومال": محفز التقارب بين القاهرة ومقديشو
وتطرق "فرغل" إلى مذكرة التفاهم المبرمة بين إثيوبيا و"أرض الصومال" في يناير 2024، والتي سعت أديس أبابا من خلالها للحصول على منفذ بحري ووجود عسكري مقابل اعتراف محتمل بالكيان الانفصالي؛ وهو ما اعتبرته مقديشو انتهاكًا صارخًا لسيادتها ووحدة أراضيها. ويرى الباحث أن هذه التطورات شكلت محفزًا لتسريع التقارب المصري-الصومالي، حيث وجد الطرفان أنفسهما أمام تحدٍ مشترك لصد محاولات إعادة رسم التوازنات البحرية والسياسية، ليصبح التنسيق الأمني والسياسي ضرورة استراتيجية متبادلة.
سباق النفوذ: تموضع مصري جديد في القرن الأفريقي
وفي سياق متصل، أكد الباحث أن القرن الأفريقي يشهد حاليًا سباق نفوذ مفتوح تشارك فيه قوى إقليمية ودولية متعددة (مثل تركيا، الإمارات، الولايات المتحدة، والصين)، تسعى جميعها لتعزيز حضورها عبر اتفاقيات وشراكات عسكرية واقتصادية. التحرك المصري الأخير يعيد تموضع القاهرة داخل هذه المعادلة، ويمنحها حضورًا مباشرًا بعد غياب نسبي خلال السنوات الماضية. كما أن دخول القوات المصرية يقلل من اعتماد الصومال على أطراف أخرى، ويمنح الحكومة الفيدرالية هامشًا أوسع لإعادة بناء مؤسساتها الأمنية.
قلق إثيوبي واحتكاك استراتيجي: نحو "حرب باردة" إقليمية؟
لم تمر هذه الخطوة دون ردود فعل؛ فقد عبّرت إثيوبيا عن قلقها مما وصفته بـ"تدخل قوى خارجية في الشأن الصومالي"، في إشارة واضحة للتحرك المصري. وحذر "فرغل" من أن انتقال التنافس من طاولات مفاوضات سد النهضة إلى ساحات جغرافية أخرى، يزيد من تعقيد المشهد ويخلق حالة من "الاحتكاك الاستراتيجي" المستمر، والذي قد يتطور إلى حرب باردة إقليمية أو تصعيد غير مباشر بين الأطراف المتنافسة.
سيناريوهات المستقبل: بين الاحتواء والصدام بالوكالة
طرح الباحث ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل الوضع في المنطقة:
الاحتواء الدبلوماسي: نجاح وساطات إقليمية في خلق توازن يضمن لإثيوبيا مصالحها التجارية دون المساس بالسيادة الصومالية، مع استمرار التعاون الأمني بين القاهرة ومقديشو.
استمرار الاستقطاب: تصاعد التحركات العسكرية والسياسية دون الوصول إلى مواجهة مباشرة، حيث يبقى كل طرف في موقع تعزيز النفوذ وبناء التحالفات.
الصدام بالوكالة (السيناريو الأخطر): انتقال الصراع إلى دعم أطراف محلية متنافسة داخل الصومال، مما يفتح الباب أمام اضطرابات أمنية تعصف بالاستقرار الإقليمي وحركة الملاحة الدولية.
توازن الردع والدبلوماسية في منطقة مضطربة
يمثل الحضور العسكري المصري في الصومال تطورًا استراتيجيًا يعكس تحولات عميقة في حسابات الأمن الإقليمي، ويؤكد أن القرن الأفريقي أصبح مركزًا لتداخل المصالح. وفي ظل هذه المعادلة، تبقى إدارة التوازن بين البعد الأمني والعمل الدبلوماسي أمرًا حاسمًا لتجنب الانزلاق نحو تصعيد أوسع. ويظل المشهد مرهونًا بقدرة الأطراف المعنية على تحويل هذا الحضور العسكري من عامل توتر محتمل، إلى أداة استقرار وتعاون تحمي المصالح المشتركة للجميع.



