كتبت : علياء الهواري
في الوقت الذي تتصاعد فيه مؤشرات التوتر الإقليمي بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تتجه الأنظار إلى جماعة الحوثي باعتبارها أحد أهم الفاعلين غير الدوليين في معادلة الصراع. لكن خلف الخطاب الإعلامي المتشدد، تدور داخل الجماعة نقاشات أكثر تعقيدًا وهدوءًا، تحكمها حسابات الكلفة والبقاء، لا منطق الحماسة وحده
بحسب الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية محمد خالد شعبان، فإن ما يجري داخل دوائر صنع القرار الحوثية لا يمكن اختزاله في اندفاع أيديولوجي أو رغبة تلقائية في التصعيد. على العكس، هناك إدراك متزايد بأن أي حرب مقبلة لن تكون مواجهة سريعة أو محدودة، بل قد تتحول إلى صراع طويل الأمد يستنزف الجماعة عسكريًا وبشريًا واقتصاديًا. صحيح أن القدرات العسكرية الحوثية شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، إلا أن هذا التطور لا يعني امتلاك قدرة غير محدودة على تحمّل كلفة مواجهة مفتوحة. من هنا، يتم احتساب ثمن الحرب ليس فقط بعدد الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، بل بقدرة الجماعة نفسها على الاستمرار والبقاء
هذا الإدراك انعكس في شكل انقسام داخلي داخل جماعة الحوثي، انقسام لا يقوم على اختلافات فكرية أو أيديولوجية، بقدر ما يقوم على تباين في القراءة السياسية والبراغماتية للمشهد الإقليمي. هناك جناح داخل الجماعة يرى أن التصعيد جزء من المعركة الكبرى في المنطقة، وأن الانخراط فيها يعزز مكانة الحوثيين لدى إيران ويكرّس دورهم كلاعب إقليمي مؤثر. في المقابل، يبرز جناح آخر أكثر واقعية، يعتقد أن الجماعة غير مهيأة لتحمّل فاتورة مواجهة إقليمية واسعة، وأن أي تصعيد غير محسوب قد يضع وجودها نفسه على المحك. هذا الانقسام لا يظهر إلى العلن ولا ينعكس في الخطاب الإعلامي، لكنه حاضر بقوة داخل غرف اتخاذ القرار
أما فيما يتعلق بتقدير الحوثيين لاحتمالات اندلاع حرب واسعة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، فإن القراءة الغالبة داخل الجماعة تميل إلى أن احتمال الحرب الشاملة قائم، لكنه غير مرجّح في المدى القريب. السيناريو الأقرب، من وجهة نظرهم، هو استمرار سياسة الضربات المحدودة، وتبادل الرسائل العسكرية، ومحاولات الاحتواء المتبادل من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. لذلك، يتسم السلوك الحوثي غالبًا بالتحرك على الحافة، فلا هو دخول كامل في الحرب، ولا انسحاب تام من معادلة التصعيد.
وعند سؤال القدرة الفعلية للجماعة على تحمّل كلفة مواجهة طويلة الأمد، يقدّم شعبان تقييمًا واقعيًا بعيدًا عن المبالغة. عسكريًا، يمتلك الحوثيون القدرة على الإزعاج وإلحاق الضرر وتعطيل بعض المصالح، لكنهم لا يمتلكون القدرة على تحقيق نصر حاسم في مواجهة قوى دولية كبرى. اقتصاديًا واجتماعيًا، فإن البيئة الحاضنة للجماعة تعاني أصلًا من ضغوط كبيرة، وأي مواجهة طويلة ستعمّق حالة الإرهاق وتفتح الباب أمام تآكل داخلي حقيقي. القدرة على الصمود موجودة، لكنها ليست بلا سقف، وكل تصعيد طويل يرفع منسوب المخاطر على تماسك الجماعة
معادلة البحر الأحمر: بين الاستعراض العسكري والخطوط الدولية الحمراء
ويأخذ التصعيد الحوثي في البحر الأحمر بعدًا مختلفًا وأكثر حساسية في حسابات الجماعة. فالبحر الأحمر ليس مجرد مسرح إقليمي، بل شريان رئيسي للتجارة العالمية. أي تهديد لحركة الملاحة فيه لا يبقى محصورًا في الإقليم، بل يستدعي تدخلًا دوليًا مباشرًا. الحوثيون يدركون هذه الحقيقة جيدًا، ولذلك فإن أي تحرك بحري يتم بدقة عالية وحسابات صارمة، لأن اللعب في هذه المنطقة قد ينقل الملف من مستوى الصراع الإقليمي إلى مستوى المواجهة الدولية الواسعة
هذا الجدل الداخلي داخل الجماعة يعكس، وفق شعبان، تحوّلًا واضحًا في وظيفة الحوثيين ضمن الاستراتيجية الإيرانية. فالجماعة لم تعد تُختزل في كونها ذراع ضغط عسكرية فحسب، بل تحوّلت إلى ورقة تفاوض حساسة. إيران تسعى إلى إبقاء الحوثيين أقوياء ومؤثرين، لكنها في الوقت نفسه لا تريد استهلاكهم أو حرقهم في مواجهة مباشرة قد تخرج عن السيطرة. إدراك الحوثيين لهذا الدور الجديد يفسر تصاعد النقاش الداخلي حول حدود التصعيد ومعناه
ويحذر الباحث من أن أخطر السيناريوهات التي قد تواجه الجماعة يتمثل في استهداف مباشر لمراكز القيادة والاتصال. فالهيكل القيادي لدى الحوثيين يتسم بمركزية عالية، وأي ضربة تطال هذه المراكز قد تؤدي إلى ارتباك واسع وخلل في التنسيق وفتح الباب أمام صراعات داخلية. صحيح أن الجماعة قد تُظهر تماسكًا شكليًا في العلن، لكن الأثر الداخلي لمثل هذه الضربات يكون عميقًا ويصعب احتواؤه على المدى المتوسط
في حال اندلاع مواجهة إقليمية كبرى، يرى شعبان أن سلوك الحوثيين سيبقى محكومًا بعدة سيناريوهات محتملة. أولها تصعيد محدود ومدروس، يقوم على توجيه ضربات رمزية من دون فتح جبهة شاملة، ثانيها تفعيل أدوار غير مباشرة، سواء عبر البحر أو استخدام الطائرات المسيّرة أو توجيه رسائل قوة محسوبة ، أما السيناريو الثالث، فيتمثل في التحوّط والانتظار، إذا ما تبيّن أن كلفة الانخراط تفوق المكاسب المحتملة
في المحصلة، تكشف النقاشات خلف الأبواب المغلقة داخل جماعة الحوثي عن جماعة تحاول الموازنة بين دورها الإقليمي وطموحاتها السياسية من جهة، وحدود قدرتها الفعلية على تحمّل حرب طويلة من جهة أخرى. وبين الحافة والهاوية، يبدو أن القرار الحوثي اليوم أكثر تعقيدًا وحذرًا مما يوحي به الخطاب العلني



