كتبت: علياء الهواري
في لحظة إقليمية حرجة واقتصاد عالمي يعيش حالة من الاضطراب، جاء قرار الحكومة المصرية برفع أسعار الوقود ليعيد إلى الواجهة تساؤلاً قديماً يتجدد مع كل موجة زيادات: لماذا الآن؟ ومن يدفع الثمن الحقيقي؟ القرار الذي تزامن مع اهتزاز أسواق الطاقة العالمية مطلع مارس 2026، لم يكن مجرد تعديل رقمي في جداول البنزين والسولار، بل خطوة استراتيجية تحمل أبعاداً اجتماعية تمتد آثارها من محطات الوقود إلى أرصفة المواصلات، وصولاً إلى ميزانية كل أسرة مصرية
ويرى الباحث في الاقتصاد السياسي، رؤوف حسين، أن توقيت القرار لم يكن عشوائياً، بل فرضته ثلاثة عوامل أساسية؛ أولها الاضطرابات غير المسبوقة في أسواق الطاقة العالمية نتيجة التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، وهو ما أعاد المخاوف بشأن "مضيق هرمز" ورفع تكاليف الشحن والتأمين، وبالنسبة لدولة مثل مصر تعتمد جزئياً على استيراد الطاقة، فإن أي قفزة عالمية تتحول فوراً إلى ضغوط إضافية على الموازنة العامة واحتياطيات النقد الأجنبي.
أما العامل الثاني، فيرتبط بضغوط المالية العامة، حيث تواصل الحكومة خطتها لإعادة هيكلة منظومة الدعم التي كانت تستنزف موارد الدولة. ويشير حسين إلى أن خفض مخصصات دعم الوقود إلى نحو 75 مليار جنيه حالياً، مقارنة بـ 150 ملياراً العام السابق، يعكس رغبة في تقليل العجز المالي، فيما يتمثل العامل الثالث في استمرار "الفجوة السعرية"، إذ لا يزال سعر بعض المشتقات محلياً أقل من تكلفتها الفعلية في السوق الدولية، مما يضع الدولة أمام ضرورة التحرك لتقليص هذا الفارق.
ارتباك الأسواق وفاتورة التضخم "غير المباشرة"
إن رفع أسعار الوقود في أي اقتصاد يشبه تحريك حجر كبير في بحيرة راكدة؛ تتسع دوائر تأثيره لتشمل كل شيء. ومع الزيادة الأخيرة التي تراوحت بين 14% و30%، دخلت الأسواق مرحلة الترقب، خاصة وأن الوقود هو عصب النقل والصناعة. ويؤكد الباحث رؤوف حسين أن كل ارتفاع بنسبة 10% في أسعار الوقود قد يضيف ما بين نصف نقطة مئوية ونقطة كاملة إلى معدل التضخم العام، وهو ما يعني زيادات تدريجية في أسعار السلع الغذائية ومواد البناء والخدمات اللوجستية.
ورغم هذه القتامة، يرى خبراء أن استقرار سعر الصرف وتحسن موارد العملة الصعبة من السياحة وقناة السويس قد يمتص جزءاً من هذه الصدمة ويمنع حدتها. إلا أن الجانب الأكثر حساسية يظل متمثلاً في "الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل"، الذين يوجهون الجزء الأكبر من دخولهم للاحتياجات الأساسية. هذه الشريحة ستكون الأكثر تأثراً بالزيادة، مما قد يفرض على الأسر المصرية إعادة ترتيب أولوياتها، والتقشف في الجوانب الترفيهية لمواجهة فاتورة الطعام والمواصلات الجديدة.
على مستوى القطاع الخاص، تبدو القدرة على استيعاب التكاليف متفاوتة؛ ففي حين قد تضطر الشركات الكبرى في الصناعات الغذائية لتمرير الزيادة إلى المستهلك النهائي، قد تلجأ شركات أخرى في قطاعات تنافسية لتحمل جزء من التكلفة حفاظاً على حصتها السوقية. وهنا يبرز دور "الرقابة الحكومية" كعامل حاسم لمنع الممارسات الاحتكارية أو الزيادات العشوائية التي قد يستغلها البعض لتحقيق أرباح غير مبررة على حساب المواطن.
سيناريوهات المستقبل: هل تنجح الدبلوماسية في إطفاء نار الأسعار؟
تؤكد الحكومة من جانبها أنها توازن بين الإصلاح وحماية الفئات الأكثر احتياجاً عبر برامج "تكافل وكرامة" وزيادة مخصصات الدعم الاجتماعي، لكن مستقبل الأسعار في مصر يظل رهينة لما يحدث خارج حدودها. وفي ظل التقلبات الجيوسياسية الحادة، يضع الباحث رؤوف حسين ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة؛ أولها استمرار التوترات وارتفاع النفط عالمياً مما قد يفرض زيادات إضافية، وثانيها استقرار الأسواق الذي قد يمنح الحكومة مساحة لتثبيت الأسعار المحلية.
أما السيناريو الثالث والأكثر تفاؤلاً، فيتعلق بتسريع الاستثمارات المصرية في الطاقة البديلة والغاز الطبيعي لتقليل الاعتماد على الاستيراد، وهو الخيار الاستراتيجي الذي قد يحصن الاقتصاد ضد الأزمات المستقبلية. وفي النهاية، يبقى قرار رفع أسعار الوقود "الدواء المر" الذي يمس حياة الملايين؛ وبين أرقام الموازنة ومعاناة المواطن اليومية، يبقى الرهان على قدرة المجتمع والأسواق على التكيف مع موجات الغلاء، ومدى نجاح الدولة في تحقيق ذلك التوازن الدقيق بين ضرورة الإصلاح وحق المواطن في حياة مستقرة.


