إيران 2026: شتاء الغضب بين انهيار العملة وقرع طبول الحرب

كتبت علياء الهواري

لم تعد شوارع إيران تتحرك بدافع الغلاء أو تراجع قيمة الريال فحسب، بل بات المشهد أكثر تعقيدًا وتشابكًا؛ حيث يلتقي الانهيار الاقتصادي مع أزمة شرعية سياسية وضغوط إقليمية غير مسبوقة، لتدخل البلاد مرحلة يمكن وصفها بالأخطر منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وصف قرارات رفع الدعم بأنها "جراحة ضرورية"، لكن الشارع الإيراني يرى في تلك الجراحة نزيفًا مفتوحًا بلا أفق واضح، بينما تتصاعد الاحتجاجات في مدن عدة وسط قطع شبه كامل للإنترنت، وتحذيرات أمنية مشددة، وتوتر خارجي لا ينفصل عن الداخل.

في هذا السياق، يرى الدكتور محمد وازن، خبير الشؤون الإسرائيلية والدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الفصل بين الغضب الشعبي والصراع مع إسرائيل لم يعد ممكنًا لا سوسيولوجيًا ولا سياسيًا، مؤكدًا أن النظام الإيراني يعيش حالة تلازم بنيوي بين فشله الاقتصادي وتمدده الجيوسياسي.

ويشرح وازن أن المواطن الإيراني بات يدرك أن كلفة ما يسمى "محور المقاومة" لا تُدفع من فوائض الميزانية، بل من مائدة طعامه وأمنه المعيشي، وأن الخطاب الأيديولوجي لم يعد قادرًا على سد فجوة التضخم أو حماية القوة الشرائية التي تنهار بوتيرة متساعرة.

ويرى أن الجراحة الاقتصادية التي يتحدث عنها النظام تفتقر لأي ضمانات سياسية أو رؤية إصلاحية حقيقية، ما يجعلها في نظر الشارع مجرد استنزاف جديد لتمويل صراعات إقليمية لم تجلب سوى العقوبات، ويضيف أن النظام استنفد رصيده من الشرعية الثورية، ولم يتبقَّ له سوى الشرعية القسرية في مواجهة شارع يرى في الصراع مع إسرائيل عبئًا اقتصاديًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا.

في المقابل، تراقب إسرائيل المشهد الإيراني بحذر محسوب؛ حيث يشير وازن إلى أن تل أبيب تتعامل مع الاضطرابات الحالية بمنطق "الانتهازية الحذرة"، فهي تدرك أن النظام الإيراني يكون أكثر خطورة حين يشعر بتهديد داخلي، ما يدفعه غالبًا لتصدير أزمته عبر تصعيد خارجي.

ويؤكد أن النقاش داخل دوائر صنع القرار الإسرائيلي يدور حول مفاضلة دقيقة بين استغلال انشغال النظام داخليًا لتوجيه ضربة استباقية، وبين الخشية من أن تتحول هذه الضربة إلى طوق نجاة سياسي يعيد توحيد الداخل الإيراني ضد عدو خارجي ويمنح النظام شرعية قومية افتقدها.

استراتيجيات الاستنزاف ومعضلة القوة الأمنية

من هنا، تميل إسرائيل بحسب وازن إلى استراتيجية الاستنزاف غير المباشر عبر العمليات السيبرانية والنفسية، مع الإبقاء على خيار الضربة العسكرية كملاذ أخير، إدراكًا منها أن التغيير من الداخل هو الضمانة الوحيدة لإنهاء التهديد النووي بشكل مستدام.

أما عن قدرة الحرس الثوري على ضبط الداخل والخارج في آن واحد، فيرى وازن أننا أمام لحظة اختبار تاريخية؛ حيث يواجه الحرس معضلة توزيع الموارد في حال تزامن الانفجار الداخلي مع مواجهة إقليمية، وهو ما قد يكشف حدود القوة الأمنية لأول مرة، ويخلق ثغرات قد تستغلها أطراف خارجية.

من زاوية مختلفة، يقدّم أسامة حمدي، الباحث في الشؤون الإيرانية والشرق الأوسط، قراءة أقل راديكالية؛ حيث يرى أن ما يحدث في الشارع الإيراني هو بالأساس غضب اقتصادي تحركه عوامل معيشية، وتهميش عرقي، واختلالات هيكلية في الاقتصاد.

ويشير حمدي إلى أن الاحتجاجات انطلقت من "البازار" الذي يمثل تقليديًا قلب الاقتصاد المحافظ، قبل أن تحاول جهات خارجية -بحسب وصفه- استغلال المطالب المعيشية وتحويلها إلى شعارات لإسقاط النظام، مؤكدًا أن هذه الاحتجاجات لا ترقى من حيث الحجم إلى موجات سابقة مثل احتجاجات مهسا أميني أو الحركة الخضراء عام 2009.

ويرى أن النظام لا يزال ممسكًا بمفاصل القوة الأساسية من جيش وحرس ثوري ومؤسسات دينية وتشريعية، وأن شعبيته لا تزال مرتفعة نسبيًا، مما يمكنه من امتصاص الصدمات رغم الضغوط الخارجية وتهديدات ترامب وإسرائيل.

غير أن هذا التقييم المتفائل نسبيًا يتقاطع جزئيًا مع رؤية هاني سليمان، مدير المركز العربي للبحوث والدراسات، الذي يؤكد أن الانهيار الاقتصادي الحالي ألقى بظلال ثقيلة على حياة المواطن الإيراني بشكل غير مسبوق.

ويرى سليمان أن الأزمة ليست وليدة قرارات آنية، بل نتاج تراكمات طويلة من سوء الإدارة وهيمنة المؤسسات الأمنية، وعلى رأسها الحرس الثوري، على قطاعات واسعة من الاقتصاد، مما أعاق أي نمو حقيقي وألقى بكلفة المشاريع الأيديولوجية والعسكرية على كاهل المواطن.

تآكل الشرعية وآفاق التغيير الجذري

ويعتبر سليمان أن رفع الدعم هو "الحل الأسهل" للنظام وليس الحل الوحيد، مؤكدًا أن وصفه بالجراحة الضرورية يعكس حسابات السلطة لا أولويات المجتمع؛ إذ كان بالإمكان تخفيف العبء عبر تقليص الإنفاق الخارجي ومراجعة البرامج العسكرية وفك الارتباط مع صراعات استنزفت الاقتصاد لعقود.

وحول طبيعة الاحتجاجات الحالية، يرى سليمان أنها تختلف جذريًا عن سابقاتها، إذ تمثل امتدادًا لموجات متعاقبة منذ عام 2017 تتصاعد حدتها مع كل أزمة جديدة، مؤكدًا أن الوقت لم يعد في صالح النظام، وأن السيطرة الأمنية الحالية تظل مؤقتة طالما بقيت الجذور قائمة.

ويحذر من أن السياق الإقليمي والدولي المشحون يضاعف خطورة اللحظة الإيرانية، خاصة مع التهديدات المتزايدة بضربة عسكرية قد تكون محدودة أو شاملة، وهو ما قد يقلب المشهد رأسًا على عقب.

ورغم أن قطع الإنترنت يمنح النظام مساحة أوسع للسيطرة الأمنية، إلا أن سليمان يرى أنه قد يؤدي إلى نتائج عكسية بتوسيع فجوة الغضب وزيادة الشعور بالعزلة والقمع، مشيرًا إلى أن غياب قيادة سياسية واضحة للاحتجاجات يظل نقطة ضعف رئيسية تحد من قدرتها على التحول إلى بديل منظم.

في المحصلة، تبدو إيران اليوم واقفة على حافة مفترق تاريخي؛ حيث يتقاطع الغضب الاجتماعي مع انسداد الأفق الاقتصادي وتكالب الضغوط الخارجية، وبينما قد ينجح النظام في احتواء هذه الموجة مرحليًا، فإن الأسئلة الكبرى حول شرعيته وقدرته على الاستمرار دون تغيير جذري تظل معلقة، في انتظار لحظة قد تكون أقرب مما يظن الجميع.