كتبت: علياء الهواري
طي صفحة القطيعة: المصالح تعلو فوق الأيديولوجيا
لم تعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة مجرد حدث بروتوكولي عابر في روزنامة الدبلوماسية الإقليمية، بل بدت وكأنها إعلان رسمي عن نهاية مرحلة طويلة من القطيعة، وبداية إعادة صياغة لمعادلة القوة في الشرق الأوسط فبعد أكثر من أحد عشر عامًا من الجفاء السياسي والخصومة غير المعلنة، قررت القاهرة وأنقرة أن تعيدا فتح صفحة العلاقات من زاوية المصالح لا الشعارات، ومن منطلق الواقعية لا الأيديولوجيا هذا التحول لم يأتِ من فراغ، ولم يكن نتيجة حسن نوايا مفاجئ، بقدر ما فرضته التحولات العميقة التي تعصف بالإقليم، من حرب مفتوحة في غزة إلى انسداد الأفق في ليبيا وتعقيدات ملف الطاقة في شرق المتوسط؛ وهي ملفات لم تعد تحتمل صراعات صفرية أو حسابات ضيقة.
تحولات الإقليم تفرض معادلات جديدة
في هذا السياق، يقول الباحث في العلوم السياسية والخبير في العلاقات الدولية، حسام الموافي، إن زيارة أردوغان للقاهرة تمثل لحظة فارقة في مسار النظام الإقليمي الجديد، لأنها تنهي مرحلة "جس النبض" وتؤسس لاعتراف متبادل بشرعية المصالح المشتركة بين دولتين محوريتين في المنطقة. ويضيف "الموافي" أن الأهمية الحقيقية للزيارة لا تكمن فقط في توقيتها، بل في مضمونها السياسي؛ حيث انتقلت العلاقات من مستوى الاتصالات الأمنية والاستخباراتية المحدودة إلى مستوى الشراكة السياسية المعلنة، وهو ما تجسد في رفع العلاقات إلى مستوى "مجلس التعاون الاستراتيجي" رفيع المستوى، بما يعني أن القرارات الكبرى أصبحت تناقش وتدار مباشرة على مستوى القيادة السياسية في البلدين.
اختبار غزة: الجغرافيا السياسية تفرض كلمتها
التوقيت هنا ليس تفصيلًا ثانويًا؛ فاندلاع الحرب في غزة وضع الجميع أمام اختبار حقيقي لقدرتهم على التأثير وأعاد ترتيب أولويات الفاعلين الإقليميين. فتركيا، التي تمتلك خطابًا سياسيًا قويًا تجاه القضية الفلسطينية، أدركت أن مصر هي البوابة الجغرافية والسياسية الوحيدة للتعامل مع واقع غزة على الأرض في المقابل، أدركت القاهرة أن أنقرة تملك أدوات ضغط سياسية ودبلوماسية لا يمكن تجاهلها على الساحة الدولية. من هنا جاء التقارب بوصفه ضرورة لا خيارًا، كما يشرح "الموافي"، مؤكدًا أن الطرفين توصلا إلى قناعة بأن استمرار الخلاف لم يعد مكلفًا فقط، بل أصبح خطرًا على مصالحهما الاستراتيجية في ظل تصاعد أدوار قوى إقليمية أخرى تحاول ملء الفراغ.
من التنافس إلى التكامل: حلحلة ملفات ليبيا وغاز المتوسط
الملفات التي وضعت على الطاولة خلال الزيارة كانت ثقيلة ومعقدة، وتجاوزت المجاملات الدبلوماسية إلى صلب القضايا الخلافية، وعلى رأسها الملف الليبي. حيث شهدت السنوات الماضية تنافسًا حادًا بين القاهرة وأنقرة على النفوذ هناك، إلا أن المتغيرات الميدانية والسياسية فرضت واقعًا جديدًا قوامه أن الحل العسكري بات مستحيلًا، وأن استقرار ليبيا أصبح مصلحة مشتركة للطرفين لتجنب الفوضى وتهديد الأمن القومي لكليهما. أما في شرق المتوسط، فقد تحول ملف الغاز من ساحة صراع إلى فرصة تعاون محتملة؛ فبدلًا من الاصطفافات الحادة والنزاعات القانونية حول ترسيم الحدود البحرية، بات البحث جاريًا عن معادلة "رابح-رابح" تضمن حقوق الطرفين وتفتح الباب أمام استغلال مشترك للثروات الطبيعية، سواء عبر تسييل الغاز في المحطات المصرية أو نقله إلى أوروبا عبر الأراضي التركية.
قفزة الثقة: التعاون الدفاعي ومأسسة العلاقات
المفاجئ في الزيارة كان طرح ملف الصناعات الدفاعية والتعاون العسكري، وهو ما يعكس مستوى جديدًا من الثقة السياسية؛ فحديث مصر عن اقتناء مسيرات تركية والتعاون في مجالات التصنيع العسكري لم يكن ليطرح قبل سنوات قليلة، وهو مؤشر على تحول نوعي في طبيعة العلاقة. لكن هل نحن أمام شراكة استراتيجية حقيقية أم مجرد تحسين مؤقت للعلاقات؟ يرى حسام الموافي أن المؤشرات تميل بوضوح إلى السيناريو الأول؛ فالتقارب الحالي مبني على مصالح مؤسسية لا على تفاهمات شخصية، والدليل هو توقيع أكثر من خمس عشرة مذكرة تفاهم في مجالات متعددة وتأسيس آليات دائمة للتنسيق، وهو ما يجعل التراجع عن هذا المسار مكلفًا سياسيًا للطرفين.
المحرك الصامت: الاقتصاد والطاقة كضمانات للاستدامة
الاقتصاد هنا يلعب دور المحرك الصامت للعلاقة؛ فالتبادل التجاري بين مصر وتركيا مرشح للارتفاع من عشرة مليارات دولار إلى خمسة عشر مليارًا وربما عشرين مليارًا في مراحل لاحقة. كما تنظر تركيا إلى مصر بوصفها بوابة استراتيجية للأسواق الإفريقية، في حين ترى القاهرة في أنقرة مركزًا صناعيًا متقدمًا وناقلًا للتكنولوجيا والخبرة الصناعية. وفي ملف الطاقة أيضًا تبرز فرص تعاون واسعة، سواء في تسييل الغاز أو إعادة تصديره أو التنسيق في خطوط الإمداد إلى أوروبا، وهي فرص تكتسب أهمية مضاعفة في ظل الأزمة العالمية في أسواق الطاقة.
رسالة إلى العالم: الشرق الأوسط يدير أزماته
أما الرسالة التي تحملها الزيارة إلى المنطقة والعالم فهي واضحة، كما يشرح "الموافي": الشرق الأوسط لم يعد ساحة مفتوحة لتدخلات القوى الكبرى فقط، بل أصبح قادرًا على إدارة أزماته عبر قواه الإقليمية الكبرى، والتقارب بين القاهرة وأنقرة هو إعلان عن ميلاد محور استقرار قادر على تبريد الصراعات لا تأجيجها. هذا المحور الجديد من شأنه أن يعيد رسم توازنات المنطقة، سواء عبر تقليص احتمالات التصعيد في ليبيا وشرق المتوسط، أو عبر فتح الباب أمام تنسيق أمني أوسع يشمل مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات وربما مناورات عسكرية مشتركة للمرة الأولى منذ سنوات طويلة.
انتصار البراغماتية في زمن الحرائق
في المحصلة، لا يمكن قراءة زيارة أردوغان للقاهرة بمعزل عن التحولات الكبرى في الإقليم؛ فهي ليست مجرد عودة للعلاقات، بل إعادة تعريف لدور دولتين محوريتين قررتا أن تخرجا من منطق الصراع إلى منطق إدارة المصالح. وفي منطقة تعج بالحرائق، يبدو هذا التحول خطوة نادرة نحو قدر من الاستقرار العقلاني. زيارة واحدة لم تطفئ كل الخلافات، لكنها وضعت الأساس لمسار جديد عنوانه "البراغماتية السياسية" حين تصبح الخيار الوحيد الممكن.



