كيف حولت واشنطن الحدود العراقية السورية من جبهة قتال إلى "قناة لتفريغ الأزمات"؟

كتبت: هدير البحيري

لم تعد الحدود العراقية – السورية الخط المشتعل الذي شهد لسنوات تمدد وانحسار تنظيم "داعش".
اليوم، تحولت هذه الحدود إلى قناة لتفريغ الأزمات المتراكمة في شمال شرق سوريا، سواء كانت أمنية، سياسية، أو إنسانية، وظهر ذلك بوضوح في نقل آلاف المعتقلين من سجون "قسد" إلى العراق، كخطوة لإعادة توزيع الأعباء أكثر من كونها مجرد إجراء أمني.

على مدار السنوات الماضية، شكلت هذه الحدود خط تماس بين دولتين منهكتين وتنظيم متشظٍ، ومع تراجع العمليات العسكرية تغيرت طبيعة التهديدات.
فبدلًا من تدفق المقاتلين والسلاح، يشهد الخط اليوم حركة منظمة للمعتقلين، في عملية تدار بتنسيق دولي دقيق، ما يعكس انتقال الملف من مرحلة الحرب إلى إدارة ما بعد الحرب.

تواجه بغداد تحديات مركبة تشمل الأبعاد الأمنية والقضائية والسياسية والمالية نتيجة استقبال أكثر من 5700 معتقل من 61 جنسية، ويضعها في موقع حساس نتيجة تعاملها مع دول تمتنع عن استعادة رعاياها، ما يزيد الضغوط على السلطات ويحول الحدود إلى صمام أمان للآخرين وفي الوقت ذاته إلى مصدر ضغط مستمر.
في هذا الإطار، تأتي خطوة الولايات المتحدة والتحالف الدولي، التي قادتها القيادة المركزية الأمريكية، ليس فقط كعملية لوجستية، بل كجزء من سعي واشنطن لإغلاق ملف السجون شمال شرق سوريا قبل أي تغير سياسي أو عسكري قد يهدد نفوذها، وتفادي أي فوضى أمنية محتملة قد تمنح التنظيم فرصة للعودة.
وقال الخبير في العلاقات الدولية الدكتور إياس الخطيب، في حوار خاص لـ"نافذة الشرق" إن إعلان الولايات المتحدة الأمريكية نقل أكثر من 5700 من عناصر تنظيم داعش إلى العراق يعكس نية أمريكية جدية في الإسراع بعملية نقل السجناء، وهي خطوة تحمل – برأيه – دلالتين أساسيتين لا يمكن فصلهما عن السياقين السوري والإقليمي.

وأوضح الخطيب أن الدلالة الأولى تتمثل في عدم ثقة واشنطن بقدرة السلطة السورية على ضبط وإدارة السجون التي تضم أخطر عناصر التنظيم، مشيرًا إلى أن تقدم قوات السلطة نحو تلك السجون في الشمال والشمال الشرقي السوري ترافق منذ اللحظة الأولى مع حالات هروب واسعة.
ولفت إلى أن تقارير متعددة تحدثت عن أن ما جرى لم يكن مجرد هروب عفوي، بل عمليات تهريب مفتعلة، في ظل وجود صلات قرابة بين عدد من السجناء وعناصر ومجموعات تتبع للسلطة الحالية.

أما الدلالة الثانية، والتي وصفها بأنها لا تقل خطورة، فترتبط بالبعد الإقليمي، إذ يرى أن واشنطن قد تتعامل مع عناصر التنظيم في العراق بوصفهم "قنبلة موقوتة" يمكن تحريكها في أي وقت، خصوصًا إذا فشلت المفاوضات الأمريكية – الإيرانية وتم تفعيل خيار المواجهة.
وفي هذا السيناريو، قد لا تكتفي الولايات المتحدة بمهاجمة إيران مباشرة، بل قد تسعى إلى إشغال ما تسميه "أذرع إيران في المنطقة"، وعندها – بحسب الخطيب – لن يكون مستغربًا أن تفتح سجون داعش في العراق بعد خلق حالة من الفوضى، ليعاد توظيف عناصر التنظيم في قتال المجموعات المرتبطة بإيران، وفي مقدمتها الحشد الشعبي.

ويربط الخطيب هذه الخطوة بما يصفه بإعادة التموضع الأمريكي في المنطقة، مشيرًا إلى أن الانسحاب من الشمال الشرقي السوري، والبدء بنقل عناصر التنظيم إلى العراق، تلاه أيضًا الحديث عن الانسحاب من قاعدة التنف ذات الموقع الحساس عند المثلث الحدودي السوري – العراقي – الأردني.
ويأتي ذلك، وفق الخطيب، في ظل تصعيد أوسع في الشرق الأوسط، ولا سيما مع تعثر المفاوضات الأمريكية – الإيرانية وعدم توصلها إلى نتائج إيجابية حتى الآن.

ويضيف الخطيب أن الولايات المتحدة طالما هاجمت إيران على خلفية امتلاكها أذرعًا إقليمية مثل الحشد الشعبي وحزب الله والحوثيين، لكنها – بحسب رأيه – بدأت تعتمد الأسلوب ذاته من خلال تطويع مجموعات وقيادات وسلطات في دول مختلفة لتكون أدوات تخدم سياساتها وتستخدم للضغط على خصومها في المنطقة.

وفي هذا السياق، يرى الخطيب أن ما يسميه "الرضى الأمريكي" عن السلطة الموجودة حاليًا في دمشق يعكس استعدادًا لتنفيذ مهام قد تطلب منها في أي لحظة خدمةً للمصالح الأمريكية، مجدداً تأكيده أن تنظيم داعش – وفق قراءته – صناعة أمريكية أوروبية غربية في المقام الأول، يتم تحريكه عندما تقتضي الحاجة، ويعلن القضاء عليه إعلاميًا عندما تنتفي وظيفته، مستشهدًا بما جرى عام 2019 عندما أعلنت واشنطن القضاء النهائي على التنظيم.

وبناء على ذلك، يخلص الخطيب إلى أن الولايات المتحدة لا تعيد تموضعها في سورية فحسب، بل تغير من استراتيجيتها لتصبح لديها أدوات أكثر فاعلية وتأثيرًا في المنطقة، تستخدمها في مواجهة من تعتبرهم أعداء لها، بالتوازي مع ما يصفه بتحشيد أمريكي لقوات إضافية استعدادًا لأي تصعيد محتمل مع إيران في حال فشل المسار التفاوضي.

وعلى المستوى العراقي، يؤكد الخطيب أن القضاء في بغداد يواجه مهمة شديدة التعقيد، إذ يشكل ملف سجناء داعش عبئًا ثقيلًا على الحكومة ممثلة بسلطتها القضائية.
ويرى الخطيب أنه إذا بقي الملف في إطاره القضائي البحت، فإن العراق قادر – حتى وإن طال الزمن – على التعامل معه.
ويحذر الخطيب من أن الخطر الحقيقي يكمن في احتمال توظيف التنظيم سياسيًا وأمنيًا من قبل الخارج، ولا سيما الولايات المتحدة، بما يعيد طرح فكرة "القنبلة الموقوتة" القابلة للانفجار في حال جرى خلق فوضى داخل الأراضي العراقية واستخدام عناصر التنظيم كورقة ضغط أمنية وسياسية.

ويشير الخطيب إلى أن إعادة فتح ملف داعش لم تأتِ وليدة الصدفة، بل تزامنت مع لحظة مأزومة تعيشها دول الشرق الأوسط. وإذا جرى التركيز على سورية والعراق كنموذجين، فإن تحريك الملف من البوابة السورية قد يشكل بداية خطر داخلي، خاصة في ظل هروب أعداد كبيرة من العناصر واختفائهم بشكل مفاجئ، ما يدل – برأيه – على وجود تحضيرات تجري في الخفاء.
ومن بين السيناريوهات المحتملة، يتحدث الخطيب عن إمكانية تجييش عناصر التنظيم وتحضيرهم لهجوم على القرى الشرقية لمحافظة السويداء جنوب سورية، بالتوازي مع تحضيرات في منطقة النبك قد تتصل باستهداف الحدود اللبنانية وعناصر حزب الله هناك.

إقليميًا، يلفت الخطيب إلى أن هذه الورقة تمثل عامل ضغط على الحدود السورية – العراقية، وهو ما يدركه العراق جيدًا، الأمر الذي يفسر حالة الاستنفار الأمني المشدد، وإقامة جدار إسمنتي بطول 620 كيلومتراً مزود بأبراج مراقبة وكاميرات حرارية.

وفي الداخل العراقي، لا يقتصر التحدي على البعد الأمني، بل يمتد إلى البعد القانوني والدولي، إذ إن امتناع العديد من الدول عن استعادة رعاياها من سجناء التنظيم يضع عبئًا إضافيًا على بغداد، سواء من الناحية المالية أو الأمنية، في وقت لا يزال فيه العراق مصنفًا ضمن الدول ذات المخاطر الأمنية العالية.
وفي هذا السياق، ذكر الخطيب بتصريحات رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، الذي أكد أن بلاده تتحمل هذه المسؤولية نيابة عن العالم، داعيًا الدول المعنية إلى استعادة مواطنيها والمشاركة في تحمل الأعباء.

غير أن الخطيب لا يرى مؤشرات على استعداد تلك الدول للاستجابة، ما قد يضع العراق في مواجهة دبلوماسية معها بشأن هذا الملف.

ويختم الخطيب بالتأكيد على أن ما يجري حاليًا – بتنفيذ وإشراف وإخراج أمريكي في المقام الأول، وفق توصيفه – لا يعكس سعيًا حقيقيًا لمنع عودة تنظيم داعش، بل يشير إلى إعادة توزيع جغرافي للخطر، محذرًا من أن انفجار الوضع مجددًا، في حال جرى استخدام هذه الورقة، قد تكون له نتائج كارثية لا تطال العراق وحده، بل تمتد إلى المنطقة بأسرها.