الخليج في قلب العاصفة: كيف تواجه دول المنطقة تداعيات الحرب الإيرانية-الإسرائيلية؟

 كتبت: علياء الهواري

لم يكن صباح الثامن والعشرين من فبراير 2026 يوماً عادياً في تاريخ الشرق الأوسط؛ ففي اللحظة التي انطلقت فيها الضربات العسكرية ضد إيران، تبدلت خريطة التوتر بالكامل لم تعد الحرب محصورة في جغرافيا المواجهة المباشرة بين طهران وتل أبيب أو واشنطن، بل وجد الخليج نفسه فجأة في قلب العاصفة. المنطقة التي ظلت لسنوات عنواناً للاستقرار العالمي ومركزاً للطاقة والتجارة، تحولت إلى ساحة ضغط عسكري وسياسي، حيث أعادت الصواريخ العابرة وصفارات الإنذار طرح السؤال المصيري: هل انزلق الخليج فعلياً إلى أتون المواجهة الإقليمية الشاملة؟

هذا السؤال لم يعد مجرد فرضية، بل واقع تفرضه الأرقام الميدانية؛ فمع بداية العمليات الأمريكية الإسرائيلية، أعلنت طهران أن مصالح واشنطن في المنطقة باتت أهدافاً مشروعة. وباعتبار أن دول الخليج تستضيف قواعد عسكرية كبرى، وجدت نفسها تلقائياً ضمن دائرة النار. وفي هذا السياق، يكشف الدكتور رؤوف حسين، رئيس وحدة الشؤون الاقتصادية، أن الخليج بات "ساحة ضغط غير مباشر"، حيث تشير التقارير إلى إطلاق مئات الصواريخ والمسيّرات باتجاه أهداف مرتبطة بالوجود الأمريكي، إذ سجلت الإمارات وحدها اعتراض الغالبية العظمى من نحو 189 صاروخاً باليستياً و941 طائرة مسيّرة عبر أنظمة دفاع جوي فائقة التطور.

ولم تكن الهجمات عشوائية، بل ركزت على محيط القواعد الحيوية مثل "العديد" في قطر ومقر الأسطول الخامس في البحرين، وصولاً إلى منشآت في الكويت. ورغم نجاح أنظمة الدفاع الجوي في اعتراض معظم التهديدات، إلا أن الشظايا الناتجة عن عمليات الاعتراض تسببت في إصابات مدنية محدودة، كما حدث في قطر، مما أثار حالة من الترقب الشعبي الحذر، ودفع السلطات لتفعيل أنظمة طوارئ متقدمة تدعو السكان للاعتماد على المصادر الرسمية وتجنب الشائعات.

شلل الأجواء ومعضلة "الحياد النشط"

بعيداً عن الميدان العسكري، كشفت الأزمة عن "حساسية مفرطة" في قطاعات الطيران والتجارة؛ فإغلاق الأجواء المؤقت أدى لإلغاء أكثر من 700 رحلة جوية في أيام محددة، مما وضع شركات طيران كبرى مثل "طيران الإمارات" و"القطرية" في مواجهة أزمة مسافرين عالقين. ويرى الدكتور رؤوف حسين أن هذا الشلل لم يكن مجرد إجراء احترازي، بل ضرورة قصوى لتأمين حركة الملاحة من خطر الصواريخ والمسيّرات العابرة، وهو ما دفع حكومات المنطقة لتقديم تسهيلات إدارية وإعفاءات من غرامات التأخير للمسافرين المتضررين.

سياسياً، يحاول الخليج الحفاظ على توازن دقيق، وهو ما يصفه خبير العلاقات الدولية الدكتور حسام الموافي بـ "الحياد النشط"؛ إذ انتقلت العقيدة الأمنية الخليجية من الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية إلى إدارة المخاطر ذاتياً. وأوضح الموافي أن دول المنطقة أرسلت رسائل غير مباشرة مفادها أنها لا ترغب في تحويل أراضيها إلى منصة انطلاق لهجمات هجومية ضد إيران، لتجنب التحول إلى هدف مباشر، وهي سياسة تهدف لحماية المشاريع التنموية الكبرى والخطط الاقتصادية طويلة المدى التي قد يهددها أي تصعيد غير محسوب.

فاتورة الحرب: ضغوط التأمين وفرص البدلاء

اقتصادياً، بدأت الأزمة تفرز نتائج متباينة؛ فبينما ارتفعت تكاليف التأمين على الشحن البحري في مضيق هرمز وعلى الرحلات الجوية، وفرت أسعار النفط المرتفعة عائدات إضافية قد تعوض جزءاً من خسائر السياحة والطيران. إلا أن اللافت في تحليل الدكتور الموافي هو إشارته إلى "هجرة الاستثمارات"؛ حيث يرى أن التوتر في الخليج قد يدفع الرساميل الأجنبية للبحث عن بيئات أكثر استقراراً نسبياً في المنطقة، وهو ما قد يفتح الباب أمام انتقال جزء من هذه الاستثمارات إلى دول مثل مصر.

في النهاية، تؤكد أزمة مارس 2026 حقيقة جيوسياسية جديدة: الخليج لم يعد مجرد مخزن للطاقة، بل بات "الترس" الأهم في معادلة الأمن الإقليمي. ورغم أن الحياة اليومية في المدن الخليجية استمرت بشكل طبيعي إلى حد كبير وسط الأسواق المفتوحة والنشاط التجاري، إلا أن القلق من "الخطأ التقني" أو "التصعيد المفاجئ" يبقى سيد الموقف. يبقى التحدي الأكبر هو قدرة العواصم الخليجية على الصمود وسط هذه العاصفة، والحيلولة دون أن تصبح جزءاً من صراع بدأ بعيداً عن حدودها، لكنه انتهى فوق سمائها.