بين الردع الإيراني والتردد الغربي.. مضيق هرمز يضع الاقتصاد العالمي على حافة الهاوية

كتبت علياء الهواري

في لحظة تبدو فيها المنطقة على حافة تحول استراتيجي خطير، يعود "مضيق هرمز" إلى الواجهة باعتباره نقطة الاختبار الأكثر حساسية في المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها. لم يعد الصراع مقتصرًا على ضربات متبادلة أو رسائل سياسية، بل بات مهددًا بالتحول إلى أزمة طاقة عالمية قد تعيد رسم موازين الاقتصاد والسياسة في العالم بأكمله هذا المشهد المتوتر فتح الباب أمام أسئلة كبرى حول حدود الردع الإيراني، ومدى استعداد واشنطن للدفاع عن حلفائها، وما إذا كان العالم مقبلًا على صدمة نفطية جديدة تشبه، أو ربما تتجاوز، ما حدث في سبعينيات القرن الماضي.

حسابات واشنطن وحرب "اللا تماثل"

يرى الباحث المتخصص في الشأن الإسرائيلي، محمد وازن، أن الولايات المتحدة لم تنسحب من المشهد، لكنها في الوقت ذاته لا تريد دفع ثمن المواجهة وحدها. ويقول: "واشنطن ما زالت الضامن العسكري الأهم في الخليج، لكنها تدير الأزمة وفق حسابات دقيقة، تحاول من خلالها تجنب حرب مفتوحة طويلة الكلفة مع إيران؛ وهو ما يفسر سعيها الدائم إلى بناء اصطفاف دولي أو بحري كلما تصاعد التوتر في هرمز" ويضيف "وازن" أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الدعم الأمريكي، بل في مدى قدرة هذا الدعم على طمأنة الحلفاء وردع إيران في الوقت نفسه، خاصة أن طهران لا تعتمد على القوة التقليدية فحسب، بل على أدوات ردع "غير متماثلة" قادرة على استهداف المصالح الحيوية، والمنشآت النفطية، وتهديد الملاحة دون الدخول في مواجهة مباشرة وتتحول أهمية مضيق هرمز في هذا السياق من مجرد ممر بحري إلى ورقة ضغط استراتيجية؛ إذ يمر عبره جزء ضخم من صادرات النفط والغاز العالمية، ما يجعل أي تهديد له كفيلاً بإرباك الأسواق ورفع أسعار الطاقة حتى قبل وقوع أي إغلاق فعلي، ليتحول أي حادث عسكري فيه إلى قضية دولية وليست مجرد أزمة إقليمية.

عنق زجاجة الطاقة وأسعار فلكية

من جانبه، يوضح خبير العلاقات الدولية، الدكتور محمد العزبي، أن ما يقرب من 20% من إمدادات النفط العالمية تمر عبر هذا المضيق الضيق، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه 33 كيلومترًا، ما يجعله "عنقًا حرجًا" للطاقة العالمية لا يمكن تعويضه بسهولة ويؤكد "العزبي" أن إيران لا تحتاج إلى إغلاقه بشكل كامل لتحقيق أهدافها، بل يكفي أن تجعل المرور فيه محفوفًا بالمخاطر لترتفع تكاليف التأمين وتتراجع حركة الناقلات. ويشير إلى أن الأسواق بدأت بالفعل في التفاعل مع هذا التهديد؛ حيث ارتفعت أسعار النفط لمستويات تتجاوز الـ 100 دولار للبرميل، مع توقعات بوصولها إلى 140 أو حتى 200 دولار إذا استمر التعطيل لأسابيع. وهو سيناريو يرى أنه سيطلق أزمة طاقة عالمية تضرب أوروبا وآسيا بشدة، وترفع معدلات التضخم، وتبطئ النمو الاقتصادي العالمي ويحذر "العزبي" من أن أخطر ما في الأزمة الحالية ليس احتمال توقف الإمدادات فحسب، بل "اهتزاز الثقة" في استقرار هذا الممر الحيوي. فمجرد شعور الأسواق بغياب الأمان كفيل بإحداث تقلبات حادة في الأسعار والاستثمارات، ما يخلق أزمة ممتدة حتى لو انتهت العمليات العسكرية بسرعة.

شرخ في التحالف الغربي ومخاوف أوروبية

على صعيد آخر، يربط الباحث في العلوم السياسية والاستراتيجية، أحمد شاهر فرغل، التردد الغربي في الدخول العسكري المباشر بـ "أزمة ثقة" داخل المعسكر الغربي نفسه. ويشير إلى أن الضربات الأولى التي استهدفت إيران تمت دون تشاور واسع مع الحلفاء الأوروبيين والآسيويين، ما جعلهم أقل استعدادًا لتحمل تبعات حرب لم يشاركوا في قرارها ويرى "فرغل" أن هذا الشرخ انعكس بوضوح على المواقف الأوروبية التي أعلنت صراحة أن "هذه ليست حربها"، وأنها لا ترى جدوى من إرسال قطع بحرية محدودة إلى منطقة خطرة لا يمكنها تغيير موازين القوة فيها. هذا التباين يكشف عن مخاوف اقتصادية عميقة داخل قارة لا تزال تتعافى من صدمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا، وتخشى أن يؤدي الانخراط في مواجهة جديدة إلى تهديد الاستقرار الاجتماعي والسياسي داخلها ويحذر "فرغل" من أن أخطر السيناريوهات يتمثل في توسع الصراع عبر أطراف غير مباشرة، مثل حلفاء إيران الإقليميين، أو عبر دخول قوى كبرى لحماية مصالحها النفطية والتجارية، ما قد يحول المواجهة إلى صراع دولي متعدد الجبهات يصعب احتواؤه.

معادلة الردع الجديدة: من يدفع الفاتورة؟

تراهن إيران على طبيعة المضيق الجغرافية، وعلى قدرتها في استخدام أدوات حرب غير تقليدية (ألغام بحرية، زوارق سريعة، طائرات مسيرة، صواريخ ساحلية) لتحويل الممر إلى "منطقة عالية المخاطر"، ورفع كلفة المواجهة على خصومها.

ويؤكد الباحث "محمد وازن" أن إيران لا تسعى بالضرورة لإغلاق المضيق بشكل دائم إضراراً باقتصادها، لكنها تستخدم "التهديد بالإغلاق" لفرض معادلة ردع مفادها: أي حرب على أراضينا لن تبقى محصورة داخل حدودنا، بل ستطال شريان الطاقة الذي يعتمد عليه الجميع يضع هذا الواقع واشنطن أمام معضلة؛ فهي لا تستطيع السماح بإغلاق الممر، وتدرك في الوقت عينه أن أي مواجهة بحرية واسعة هناك قد تتحول إلى حرب استنزاف مكلفة. ومع استمرار التصعيد، يبرز التساؤل: من سيدفع تكلفة تأمين المضيق؟ التقديرات تشير إلى أن الضغوط الاقتصادية قد تدفع الدول المستفيدة من نفط الخليج (كاليابان وكوريا الجنوبية والهند) إلى المشاركة ماليًا أو لوجستيًا في أي ترتيبات أمنية مستقبلية إذا تحولت الأزمة إلى صدمة طويلة الأمد.

خلاصة القول..تكشف أزمة هرمز الحالية عن حقيقة أعمق من مجرد صراع عسكري؛ فهي تعكس هشاشة النظام العالمي الذي لا يزال مرتهناً لممرات ضيقة لتأمين طاقته، وتبرز تغيراً في طبيعة التحالفات الدولية حيث لم تعد الدول تندفع خلف واشنطن دون حسابات. وبينما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على صورتها كـ "حامية لأمن الخليج"، تسعى إيران لإثبات قدرتها على تهديد هذا الأمن متى شاءت.. وبين هذا وذاك، يقف العالم على حافة معادلة خطيرة؛ حيث قد تتحول شرارة صغيرة في ممر مائي إلى أزمة تضرب كل بيت في العالم دون استثناء.