عقيدة الفسيفساء وقيادة الظل.. من صاحب القرار الآن في إيران؟

كتبت: هدير البحيري

يكتنف الغموض مستقبل أي مفاوضات محتملة بين واشنطن وطهران، في وقت تتواصل فيه الضربات العسكرية على أهداف إيرانية. فبين حديث البيت الأبيض عن "محادثات بناءة" ونفي طهران لأي تواصل رسمي، يبدو أن التفاوض يجري في الظل، حيث تدار الأزمة بعيدًا عن الأضواء، بينما تتحرك الحرب والدبلوماسية في مسارين متوازيين.
وفي ظل غياب قناة اتصال معلنة، تلجأ واشنطن وطهران إلى وسطاء إقليميين لنقل الرسائل وتخفيف التصعيد. فقد شاركت مصر وتركيا وباكستان خلال الأيام الماضية في تمرير رسائل بين الطرفين، فيما تواصل سلطنة عمان لعب دورها التقليدي كوسيط موثوق، بعد أن استضافت جولات سابقة من المحادثات النووية.
هذا التعدد في الوسطاء يعكس رغبة طهران في إدارة التفاوض عبر قنوات متعددة تمنحها مرونة أكبر في التحكم في إيقاع المحادثات، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية.
ورغم استمرار الضربات الأمريكية على مواقع إيرانية، مع استثناء مؤقت لمنشآت الطاقة، تبدو كل خطوة محسوبة بعناية. فارتفاع أسعار النفط بعد إغلاق مضيق هرمز يفرض ضغوطًا على واشنطن، ويجعل أي توسع في العمليات العسكرية مرتبطًا بحسابات سياسية واقتصادية دقيقة.
وفي المقابل، تواصل إيران نهجها القائم على الضغط العسكري مع الإبقاء على قنوات تفاوض سرية، ما يمنحها قدرة على المناورة وفرض شروطها.
هذا التوازن بين القوة والمفاوضة ليس طارئًا، بل جزء من استراتيجية إيرانية راسخة. وبعد اغتيال المرشد وعدد من القيادات البارزة، دخلت إيران مرحلة إعادة ترتيب لمراكز القرار، مع بروز أسماء مثل باقر ذو القدر في المجلس الأعلى للأمن القومي، وتداول اسم محمد باقر قاليباف في إدارة المرحلة، رغم نفيه أي دور تفاوضي مباشر.

عقيدة الفسيفساء.. استراتيجية تمنح طهران قدرة على الصمود والرد

وفي هذا السياق، تبرز عقيدة "الدفاع الفسيفسائي" كإحدى الركائز الأساسية في هندسة الأمن الإيراني.
وتقوم هذه المقاربة على تفكيك القوة إلى وحدات صغيرة موزعة جغرافيًا وتنظيميًا، بما يضمن بقاء القدرة على الرد حتى في حال تعرضت مراكز القيادة لضربات مباشرة.
ولا يقتصر هذا النهج على توزيع القدرات العسكرية، بل يمتد إلى توزيع القرار نفسه بين مؤسسات متعددة، من الحرس الثوري إلى الجيش ووزارة الأمن والمجلس الأعلى للأمن القومي، ما يجعل استهداف رأس الهرم غير كافٍ لإحداث شلل في بنية النظام.
وتعتمد طهران على شبكة واسعة من المواقع والمنشآت التي يصعب استهدافها دفعة واحدة، من قواعد صاروخية تحت الأرض ووحدات متنقلة إلى منظومات دفاع جوي ومصانع مسيرات وصواريخ منتشرة في مناطق مختلفة.
هذا الانتشار يمنحها قدرة على امتصاص الضربات والحفاظ على الحد الأدنى من الجاهزية، فيما تشكل أدوات الحرب غير المتناظرة—من الزوارق السريعة إلى المسيرات والصواريخ قصيرة المدى—عمودًا فقريًا في قدرتها على الرد دون الانزلاق إلى مواجهة تقليدية شاملة.
ولا تكتمل هذه الفسيفساء داخل الحدود فقط؛ فالوكلاء الإقليميون يشكلون جزءًا أساسيًا من المنظومة الدفاعية، من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن، مرورًا بالميليشيات العراقية وبعض الفصائل السورية. هذا الامتداد يمنح طهران قدرة على توزيع الضغط عبر جبهات متعددة، والتصعيد أو التهدئة وفق حساباتها السياسية.
وفي لحظة ما بعد الاغتيالات وإعادة تشكيل مراكز القرار، تبدو هذه الاستراتيجية أكثر أهمية من أي وقت مضى. فهي تمنح إيران قدرة على حماية نفسها من ضربة شاملة، وتضمن استمرار أدوات الردع، وتوفر لها مرونة في إدارة التفاوض من موقع قوة، مع الحفاظ على إمكانية التصعيد عند الحاجة. وهكذا تتحول "الفسيفساء" من مجرد مفهوم عسكري إلى عقيدة كاملة، تجعل أي صراع مع إيران مواجهة مع شبكة مترابطة تمتد من الخليج إلى المتوسط، لا مع دولة واحدة فقط.

إيران بعد خامنئي.. قيادة ظل وتوازنات حساسة

وتقول الباحثة في الشأن الإيراني، إسراء جبريل، لـ"نافذة الشرق" إن اغتيال علي خامنئي وما تبعه من اختيار ابنه مجتبى خليفة له لم ينقل إيران إلى قيادة مستقرة، بل دفعها إلى مرحلة أشبه بـ"قيادة ظل" يغلب عليها الطابع الأمني المؤقت، خاصة مع غياب القائد الجديد عن الظهور العلني وتضارب التقارير حول وضعه الصحي.
وتوضح جبريل أن مجلس خبراء القيادة منح الانتقال شرعيته الشكلية، لكن غياب المرشد الجديد فعليًا عن المشهد يترك فراغًا في إدارة الشؤون اليومية، حتى وإن لم يظهر فراغ دستوري معلن.
وأشارت إلى أن مراكز القرار الفعلية انتقلت نحو المؤسسات الأكثر قدرة على التحرك، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، الذي أصبح اللاعب الأكثر تأثيرًا في إدارة المرحلة، ليس بديلًا عن المرشد، بل كقوة ضامنة للاستقرار الداخلي وممسكة بزمام الرد الأمني والعسكري.
وفي الوقت نفسه، يواصل المجلس الأعلى للأمن القومي تنسيق القرار بين المؤسسات ضمن توازنات حساسة فرضها غياب القيادة العلنية.
وأضافت جبريل أن ما يحدث لا يعني تفككًا في القرار، بل انتقالًا من قيادة واضحة ومباشرة إلى إدارة أكثر غموضًا، تدار فيها الدولة عبر شبكة من الفاعلين داخل النواة الصلبة للنظام، إلى حين اتضاح وضع القيادة الجديدة وقدرتها على ممارسة السلطة بشكل مباشر.
ولفتت إلى أن هامش الحركة في هذه المرحلة تحدده عاملان رئيسيان: الأول اقتصادي، إذ تضغط العقوبات والتدهور المعيشي على قدرة إيران على التصعيد؛ والثاني يتعلق بالتوازن داخل النخبة، بين من يدفع نحو تثبيت السلطة سريعًا عبر الحسم الأمني، ومن يفضل تهدئة الإيقاع لتفادي اهتزاز داخلي أوسع.
وفي ما يتعلق بالتصعيد الراهن، قالت جبريل إن إيران تتعرض لضربات مباشرة من الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يعمق الفجوة بين خطاب "الاستعداد للتفاوض" والواقع الميداني الذي يشهد استمرار العمليات العسكرية.
وأشارت إلى أن تجارب السنوات الأخيرة عززت قناعة طهران بأن واشنطن لا تفصل بين التفاوض والضغط العسكري، وأن أي حوار يجري تحت سقف القوة.
وأوضحت جبريل أن العقيدة الاستراتيجية الإيرانية تقوم على الجمع بين الضغط العسكري والمسار التفاوضي، حيث يستخدم التصعيد المحدود لرفع كلفة المواجهة على الخصم وتحسين شروط التفاوض، إضافة إلى اختبار الخطوط الحمراء عبر ضربات محسوبة تساعد المفاوض الإيراني في تحديد سقفه التفاوضي.
وأضافت جبريل أن هناك تباينًا داخل بنية القرار بين الحرس الثوري، الذي يميل إلى توسيع هامش الضغط الميداني، ووزارة الخارجية التي تسعى لضبط الإيقاع لتجنب مواجهة شاملة قد تكون كلفتها مرتفعة سياسيًا واقتصاديًا.
وختمت جبريل حديثها بأن المشهد لا يتجه نحو حرب شاملة ولا نحو تسوية سريعة، بل نحو منطقة وسطى تدار وفق "تصعيد مضبوط" ومفاوضات غير مباشرة قد تفضي إلى تفاهمات جزئية، مؤكدة أن هذا التوازن هش، ويمكن لأي خطأ في الحسابات أن يدفع نحو تصعيد أوسع، فيما تظل العوامل الداخلية في إيران والولايات المتحدة عنصرًا حاسمًا في تحديد المسار المقبل.