كتبت: علياء الهواري
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها السياسة بالطاقة، ويصبح التيار الكهربائي معياراً مباشراً لثقة الشارع في قدرة الدولة، يبرز ملف "أمن الطاقة" في مصر كأحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على الحياة اليومية والاقتصاد الوطني ، من هذا المدخل، جاء الحوار مع المهندس محمد عطية عبد التواب، الباحث والمتخصص في شؤون الطاقة، الذي قدم قراءة هادئة وعميقة لكيفية تحرك الدولة المصرية لحماية منظومة الكهرباء، وكيف أصبح الغاز القطري أحد أعمدة الاستقرار في مرحلة مليئة بالضغوط والاحتمالات المفتوحة
يعتمد قطاع الكهرباء في مصر اعتماداً شبه كامل على الغاز الطبيعي، وهو ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات خطراً مباشراً على الشبكة القومية، ويؤكد المهندس عبد التواب أن الغاز الطبيعي المسال القادم من قطر يمثل أداة "تحوط استراتيجي" بالغة الأهمية؛ كونه يمتلك ميزة حاسمة وهي سرعة الوصول والاندماج في المنظومة، فبمجرد وصول الشحنات إلى الموانئ المصرية، يتم إعادة "تغويزها" وضخها في الشبكة دون الحاجة إلى تجهيزات جديدة أو فترات انتظار طويلة، وهو عامل زمني يكتسب قيمة مضاعفة في أوقات الذروة الصيفية، حيث يصبح الوقت هو الفاصل بين الاستقرار والانقطاع.
مرونة التشغيل وسفن التغويز: الحلول العاجلة
يشير عبد التواب إلى أن الغاز القطري يلعب دور "المنقذ" في حال حدوث أي فجوة مفاجئة، سواء بسبب تراجع الإنتاج المحلي أو احتمالات توقف إمدادات خارجية ، فبدلاً من الدخول في سيناريوهات "تخفيف الأحمال"، تستطيع الدولة تعويض العجز خلال أيام قليلة، مما يمنح المنظومة قدرة على الصمود أمام الصدمات، وفي ذروة الصيف، تبرز أهمية سفن التغويز العائمة التي تضخ ما بين 700 إلى 750 مليون قدم مكعب يومياً، مما يمنح الدولة احتياطياً تشغيلياً يوجه الغاز للمحطات الأكثر احتياجاً بكفاءة عالية، بعيداً عن الوقود التقليدي المكلف مثل السولار والمازوت.
ويرى الباحث أن أحد أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة هو الاعتماد على مصدر واحد للطاقة؛ فالمنظومات الأحادية تكون دائماً أكثر هشاشة أمام الأزمات السياسية أو الأمنية، ومن هنا تأتي أهمية الغاز القطري الذي يصل بحراً كغاز مسال، وليس عبر خطوط أنابيب معرضة للتوقف القسري هذا التنويع في المسارات لا يوفر فقط حماية من الانقطاع، بل يعزز أيضاً موقف مصر التفاوضي ويحسن شروط التعاقد عالمياً.
الأبعاد المالية والتعاون الاستراتيجي العابر للمواسم
لا يتوقف أثر الغاز القطري عند الجانب الفني، بل يمتد بعمق إلى البعد المالي؛ حيث تتضمن الاتفاقيات مع قطر غالباً ترتيبات تجارية مرنة وتيسيرات في السداد هذا الأمر يسمح للحكومة بإدارة تكلفة استيراد الطاقة دون ضغوط فورية على الموازنة العامة، مما يجنب الدولة اتخاذ قرارات قاسية مثل الرفع المفاجئ للتعرفة الجمركية ومع التحديات المرحلية للإنتاج المحلي، يصبح الغاز القطري عنصر توازن حقيقياً يضمن استمرار تشغيل المحطات إلى حين استعادة الحقول المحلية طاقتها الكاملة.
وفيما يتعلق باحتمالات توقف إمدادات الغاز الإقليمية الأخرى، يؤكد عبد التواب أن مصر لم تعد تتعامل مع هذا السيناريو كخطر وجودي؛ بفضل استراتيجية مزدوجة تقوم على تعزيز الإنتاج المحلي وبناء شبكة بدائل استيراد جاهزة عملياً، يعني ذلك أن أي نقص يقابله مسار تعويضي جاهز: شحنات مسالة في الطريق، سفن تغويز تتأهب، ومحطات تم إعدادها وصيانتها مسبقاً، مما يقلل زمن الاستجابة ويمنع تحول الأزمات الطارئة إلى انقطاعات واسعة.
آفاق الاستثمار واستدامة أمن الطاقة
أما عن التقارب المصري القطري، فيصفه عبد التواب بأنه يتجاوز فكرة "التوريد الموسمي" فقطر، بصفتها أكبر مصدر للغاز المسال في العالم، تمتلك قدرة عالية على تخصيص شحنات عاجلة، لكن الأهم هو البعد الاستثماري والتقني الذي يعمق المصالح المشتركة. فوجود استثمارات قطرية محتملة في قطاع الغاز المصري يربط الطرفين بعلاقات طويلة الأمد، ويجعل الإمدادات أكثر استقراراً وموثوقية، محولاً اتفاقيات الغاز إلى "شبكة أمان" تتيح للدولة التخطيط لتشغيل المحطات دون مفاجآت غير سارة.
وعن طبيعة العقود، يوضح عبد التواب أن التوجه الحالي يمزج بين العقود طويلة الأجل التي توفر الاستقرار المالي، والعقود القصيرة التي تمنح المرونة لمواجهة تغيرات الأسعار العالمية. هذه "المحفظة المختلطة" هي الخيار الأكثر عقلانية لحماية الاقتصاد من الصدمات. وفي النهاية، فإن الاستعداد للصيف ليس قراراً طارئاً بل عملية تراكمية تشمل الصيانة، تأمين الوقود، والتخطيط المالي؛ لضمان أن تظل مصر تتحرك بمنطق استباقي يدير المخاطر بدلاً من انتظار وقوعها، حيث يقف الغاز القطري في قلب هذه المعادلة كأحد أعمدة الاستقرار.



