كتبت: هدير البحيري
تشهد الحرب الروسية–الأوكرانية مرحلة شديدة التعقيد مع دخولها عامها الخامس، دون بوادر واضحة على نهايتها، فيما تتزايد كلفة الاستنزاف العسكري والاقتصادي على جميع الأطراف.
ومع استمرار المعارك وتوسع نطاق الخسائر، تبرز واشنطن كلاعب رئيسي يحاول دفع موسكو وكييف نحو مسار تفاوضي، متأثرة بضغوط داخلية وتحولات سياسية رافقت وصول إدارة جديدة إلى البيت الأبيض، ما رفع سقف التوقعات بضرورة تحقيق اختراق ملموس في هذا الملف.
ورغم أن الولايات المتحدة ما زالت الداعم الأكبر لأوكرانيا عسكريًا وماليًا، إلا أنها تواجه معادلة دقيقة بين استمرار الدعم بلا حدود وما يفرضه من أعباء داخلية، وبين مخاطر أي تراجع قد يغير موازين القوى في المنطقة ويضعف ثقة الحلفاء الأوروبيين.
وفي المقابل، تتباعد مواقف موسكو وكييف على نحو يجعل أي تسوية سريعة شبه مستحيلة، إذ ترى روسيا أن الوقت يعمل لصالحها، بينما تعتبر أوكرانيا أن أي تنازل إقليمي يمس سيادتها مباشرة ويشكل خطرًا على مستقبلها السياسي.
إنهاء الحرب بوابة واشنطن لإعادة رسم التوازنات في شرق أوروبا
وفي هذا السياق، قال الخبير في الشؤون الأمريكية، والمقيم في واشنطن، محمد ماهر، في حديث خاص لـ"نافذة الشرق" إن الضغوط التي تمارسها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على كل من روسيا وأوكرانيا ترتبط بحزمة من العوامل السياسية والانتخابية والاستراتيجية، وفي مقدمتها رغبة الإدارة في تنفيذ وعد انتخابي مباشر بإنهاء الحرب.
وأضاف ماهر أن ترامب كان قد وعد خلال حملته الانتخابية عام 2024 بقدرته على إنهاء الحرب خلال 24 ساعة إذا عاد إلى البيت الأبيض، إلا أن مرور أكثر من عام على توليه الرئاسة دون تحقيق هذا الوعد وضعه أمام ما يعتبره مراقبون أحد أبرز الإخفاقات السياسية لإدارته حتى الآن.
وأوضح ماهر أن ترامب يسعى أيضًا إلى تعزيز صورته كرجل سلام، إذ لطالما قدم نفسه على أنه الرئيس الذي أنهى سبع حروب، ويرى في إنهاء أكبر حرب تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية فرصة لتسويق نفسه باعتباره صانع سلام يستحق التقدير وربما الجوائز الدولية، وفي مقدمتها جائزة نوبل للسلام.
ويرى ماهر أن الإدارة الأمريكية الحالية تنظر إلى الحرب من زاوية أوسع تتعلق بإعادة رسم شكل العلاقات الأمريكية–الأوروبية.
وأوضح أن ترامب لا يعتبر روسيا منافسًا استراتيجيًا على غرار الصين، وأن موقفه تجاه موسكو أقل حدة مقارنة بالمواقف الأوروبية.
ومن هذا المنطلق، يرى أن إنهاء الحرب في أوكرانيا قد يتيح لواشنطن إعادة صياغة التوازنات داخل القارة الأوروبية، خصوصًا في جناحها الشرقي.
وأشار ماهر إلى أن ترامب يميل عادة إلى استخدام مبدأ السقوف الزمنية في الملفات الدولية، كما فعل سابقًا مع فنزويلا وإيران. لكن تعقيدات الحرب الروسية–الأوكرانية، إضافة إلى الإخفاقات المتكررة في تحقيق اختراق سياسي، تجعل من الصعب فرض سقف زمني صارم كما حدث في أزمات أخرى.
وقال ماهر إن أسلوب "العصا والجزرة" الذي استخدم تاريخيًا في إدارة النزاعات الكبرى لا يبدو فعالًا في هذه الحرب المعقدة، مضيفًا أنه بالرغم من محاولات واشنطن تقديم حوافز لموسكو، وممارسة ضغوط على كييف، لم تنجح هذه المقاربة في دفع الطرفين نحو تسوية.
موسكو ومرحلة اللاعودة: تثبيت الواقع قبل أي تفاوض
ومن روسيا، قال المحلل السياسي، دينيس كوركودينوف، في حديث لـ"نافذة الشرق" إن موسكو دخلت مرحلة اللاعودة فيما يتعلق بالنزاعات الإقليمية مع أوكرانيا، مؤكدًا أن أي مفاوضات مستقبلية لن تتجاوز تثبيت المكاسب الميدانية التي حققتها القوات الروسية.
وأضاف أن الحديث الغربي عن "مطالب روسية مسبقة" غير دقيق، فموسكو ـ بحسب قوله ـ لا تطرح شروطًا إقليمية جديدة، بل تعتبر أن المناطق التي ضمتها عام 2022 أصبحت جزءًا من بنيتها الداخلية، وأن أي تسوية سياسية لن تكون ممكنة من دون اعتراف أوكراني بهذا الواقع.
وأوضح كوركودينوف إلى أن كييف باتت على دراية بالخطوط الحمراء الروسية، لافتًا إلى أن استمرار العمليات العسكرية يهدف إلى استنزاف الوحدات الأوكرانية الأكثر تدريبًا، ما يحد من قدرة كييف على تعويض خسائرها النوعية.
ويرى أن الوقت الآن لصالح موسكو، سواء عسكريًا بفضل قدراتها الصاروخية ومخزونها الاستراتيجي، أو اقتصاديًا مع استمرار نمو الناتج المحلي وانخفاض البطالة رغم العقوبات الغربية.
وفي قراءته للموقف الأمريكي، يعتبر كوركودينوف أن وصول إدارة ترامب إلى البيت الأبيض أعاد تحريك قنوات التفاوض بعد فترة من الجمود، مشيرًا إلى أن واشنطن باتت أكثر إدراكًا لمخاطر استمرار تسليح كييف من دون مراعاة المصالح الروسية، وما قد يترتب على ذلك من احتمالات مواجهة مباشرة بين قوى نووية.
لكنه يرى أن الضغوط الأمريكية الحالية على أوكرانيا لا تزال غير كافية لإنتاج تسوية دائمة، وأن موسكو تنتظر تغييرًا أعمق في النهج الغربي، خصوصًا فيما يتعلق بسياسة "احتواء روسيا" التي يعتمدها الناتو.
وأكد كوركودينوف أن أي ترتيبات أمنية مستقبلية يجب أن تعيد صياغة البنية الأمنية الأوروبية، بما يشمل تثبيت وضع أوكرانيا كدولة محايدة غير منضمة إلى تحالفات عسكرية، وبقوات مسلحة محدودة.
أما الضمانات الأمنية، فيصفها بأنها "حجر الأساس" في أي اتفاق محتمل، موضحًا أن موسكو تحتاج إلى ضمانات قانونية واضحة وملزمة تتضمن الحياد، ونزع السلاح، وآليات رقابة فعالة تمنع إعادة بناء قدرات تهدد وقف إطلاق النار.
وفي حال فشل المفاوضات، يرى كوركودينوف أن موسكو قد تتجه إلى توسيع "المنطقة العازلة"، سواء بالتقدم نحو حدود مناطق مثل خاركيف وسومي، أو بإنشاء نطاق أمني أعمق يبعد الأسلحة الغربية بعيدة المدى عن المدن الروسية.
كما لا يستبعد العودة إلى استهداف منظم للبنية التحتية للطاقة في أوكرانيا بقدرات تقنية أكثر تطورًا، تشمل شبكات الكهرباء والسكك الحديدية ومحطات ضخ المياه.
ويتوقع كوركودينوف أن سيناريو "تجميد" القتال عند خطوط التماس الحالية غير مقبول من دون تسوية سياسية شاملة، مشيرًا إلى أن خط المواجهة بطبيعته متحرك، وأن غياب المفاوضات سيعني استمرار التوغل الروسي غربًا.
كييف بين رفض التنازلات وضغط الحلفاء: مفاوضات بلا نتائج إلا تبادل الأسرى
ومن جانب أوكرانيا، قال المحلل السياسي د. إيفان يواس، في حديث لـ"نافذة الشرق" إن أي تسوية لا تفضي إلى استعادة جميع الأراضي الأوكرانية ستعد هزيمة سياسية داخليًا، وستفسر كتشجيع مباشر لروسيا على مواصلة عدوانها.
وأوضح إيفان أن الشعب الأوكراني والقوات المسلحة يعتبرون أن أي تنازل إقليمي مساسًا بالسيادة الوطنية، مؤكدًا أنه لا يوجد أي استعداد داخلي للاعتراف بخسارة أراضٍ.
وأضاف إيفان أن واشنطن تمارس ضغوطًا أكبر على كييف مقارنة بموسكو، رغم أن أوكرانيا هي الطرف المعتدى عليه.
وأشار إلى أن هذا الانطباع لم يعد محصورًا داخل أوكرانيا فحسب، بل بات يتردد على نطاق دولي أوسع، إذ إن شخصيات من الحزب الديمقراطي الأمريكي، مثل هيلاري كلينتون، أعربت عن مواقف مماثلة.
وقال إيفان إن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي سيواجه صعوبة بالغة في تقديم أي تنازلات، نظرًا لرفض الرأي العام لأي خطوة من هذا النوع، وإن أي قرار بالتخلي عن أراضٍ أوكرانية لن يتخذ إلا عبر استفتاء شعبي يقرره الأوكرانيون أنفسهم.
وحول قدرة أوكرانيا على الاستمرار في الحرب في حال تراجع الدعم الغربي، شدد إيفان على أن الدعم العسكري والمالي الغربي ما زال يشكل ركنًا أساسيًا في قدرة كييف على مواصلة القتال، وأن غيابه سيجعل الحفاظ على وتيرة العمليات الحالية أمرًا بالغ الصعوبة.
ومع ذلك، أشار إلى أن كييف تعمل على تعزيز قدراتها الذاتية، مستشهدًا بنجاح استخدام صواريخ "فلامينجو" الأوكرانية الصنع في الآونة الأخيرة.
ويرى إيفان أن المفاوضات لا تفيد أي طرف، فروسيا تعتقد أنها ستحقق أهدافها عسكريًا، وأوكرانيا لا تنوي الاستسلام، ما يجعل أي تقدم سياسي شبه مستحيل.
وأضاف إيفان أن المحادثات تعقد أساسًا لصالح شخص واحد: دونالد ترامب، مشيرًا إلى أن أوكرانيا تخشى أن يؤدي أي تغيير في الموقف الأمريكي إلى تراجع إمدادات الأسلحة عبر حلفائها، بينما تسعى روسيا إلى الحد من هذا الدعم والضغط على واشنطن.
وبرأيه، فإن أقصى ما يمكن أن تفضي إليه المفاوضات هو صفقة لتبادل الأسرى، وهو ما يعد مكسبًا مهمًا بالنسبة لأوكرانيا، في ظل تعثر المسار السياسي.


