إذلال واحتلال سياسي: فنزويلا بين القوة الأميركية والدور الإسرائيلي

كتبت: علياء الهواري

الترحيب الإسرائيلي: أكثر من موقف دبلوماسي

لم يكن الترحيب الإسرائيلي السريع باعتقال الرئيس الفنزويلي حدثاً عابراً، بل كشف عن نمط متكرر تحكمه علاقات القوة والمصلحة وتداخل الأجندات بين واشنطن وتل أبيب، تحولت فنزويلا فجأة من دولة بعيدة جغرافياً إلى ساحة صراع سياسي وأمني، ورسالة ردع مفتوحة لزعماء آخرين، حيث استخدمت أدوات الإذلال السياسي بدل الاغتيال المباشر.

وفى هذا الإطار ، أوضح د. بهاء الدين عبدربه أستاذ العلوم السياسية أن الموقف الإسرائيلي نابع من العلاقة الحميمة بين نتنياهو والرئيس الأميركي، والدور الوظيفي الذي تؤديه إسرائيل كجسم مانع لتشكل قوة عربية مستقلة، وتم توسيع هذا الدور ليشمل دعم الاستراتيجية الأميركية عالمياً.

مادورو والفلسطينيون: السبب وراء الاستهداف

الرئيس الفنزويلي لم يكن خصماً صامتاً لتل أبيب، بل تبنى خطاباً داعماً للشعب الفلسطيني ووجّه انتقادات مباشرة لسياسات الاحتلال، ما وضعه ضمن قائمة الخصوم رغم البعد الجغرافي. عملية الاعتقال كانت رمزية للغاية، إذ اختير الإذلال العلني لتكون الرسالة واضحة: أي عصيان سياسي ستكون كلفته شخصية ومباشرة، كما أكدت تصريحات ترامب لاحقاً.

النفط والاقتصاد: ورقة ضغط عالمية

اقتصادياً، تمتلك فنزويلا أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، ما يجعلها هدفاً مغرياً لأي قوة تسعى لإعادة ضبط أسواق الطاقة. السيطرة غير المباشرة على هذا المورد تمنح واشنطن ورقة ضغط قوية ضد الصين وروسيا، فيما يُتوقع أن تدور الحكومة الجديدة ضمن الفلك الأميركي، ما يفتح الباب أمام حضور إسرائيلي في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والأمن.

البعد العسكري والاستراتيجي

عسكرياً، تستفيد إسرائيل مادياً واستراتيجياً من أي توسع عسكري تقوده واشنطن، سواء عبر بيع السلاح أو الدعم الاستخباراتي أو المشاركة غير المعلنة. د. عبدربه يرى أن البعد الجغرافي لم يعد عائقاً أمام مفهوم التهديد الإسرائيلي، حيث باتت طهران وكراكاس ضمن المجال الحيوي ذاته، والرسالة الموجهة لإيران واضحة: ما جرى يمكن تكراره مع أي نظام يُصنف معادياً.

نموذج عالمي: من أميركا اللاتينية إلى إفريقيا

النموذج الفنزويلي لا يقتصر على أميركا اللاتينية، فالاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند ومحاولات التمدد نحو القرن الإفريقي تؤكد أن المشروع أبعد من حالة واحدة، ويهدف إلى اختراق الجغرافيا السياسية العالمية تحت مظلة القوة الأميركية، مما يحوّل إسرائيل من كيان صغير إلى لاعب عابر للقارات.

قراءة قانونية: هشاشة الشرعية الدولية

د. محمد عويان المحامي بالنقض أشار إلى أن القانون الدولي لا يمنع تصريحات الدعم بين الدول طالما لم تصل إلى تدخل مباشر، لكن ما قامت به واشنطن ينتهك سيادة دولة ذات حكم منتخب، ويقع ضمن منطق فرض السيطرة ونهب الثروات. محكمة العدل الدولية تبقى رهينة موافقة الأطراف، ما يفرغها من فعاليتها ويجعل القانون الدولي حبرًا بلا قوة تنفيذية.

الديمقراطية والقوة: ازدواجية المعايير

تغيير الأنظمة بالقوة يمثل جريمة دولية، لكن يتم تغليفه بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان. العقوبات الأحادية تكشف حجم التلاعب، كما أن صمت المجتمع الدولي يعكس مشاركة ضمنية في تقويض القانون الدولي. ازدواجية المعايير أصبحت قاعدة، بينما الخطاب الغربي يُحوّل القيم إلى أدوات سياسية انتقائية.

القوة فوق القانون: نظام دولي جديد

ما جرى مع فنزويلا يؤكد أننا نعيش عصراً تتحكم فيه القوة لا القانون الديمقراطية تُفرض بالدبابات، والسيادة تُسلب بالخطاب الإعلامي. المشهد لا يخص فنزويلا وحدها بل ينذر بنظام دولي أكثر قسوة وأقل عدلاً، حيث يصبح الخضوع شرط البقاء.