المستفيد الصامت: كيف تحول الصين صراعات الشرق الأوسط إلى مكاسب استراتيجية؟

كتبت: هدير البحيري

تبدو الصين بعيدة عن صراعات الشرق الأوسط، لكنها في الواقع حاضرة بقوة عبر استراتيجية دقيقة تقوم على الاستفادة من التوترات دون الانخراط العسكري المباشر.
وبينما تنفق الولايات المتحدة مليارات الدولارات لحماية الممرات البحرية وإدارة الأزمات الإقليمية، تستغل بكين هذا الواقع لتعزيز نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي بأقل تكلفة ممكنة، مستفيدة من الفراغات التي تتركها القوى الغربية ومن التحولات التي تفرضها العقوبات والصراعات.

ويتمثل أحد أهم مصادر المكاسب الصينية في حصولها على النفط بأسعار تفضيلية نتيجة العقوبات المفروضة على إيران وروسيا.
فالصين، باعتبارها أكبر مستورد للنفط في العالم، وجدت في هذه الظروف فرصة نادرة لتأمين احتياجاتها من الطاقة بتكلفة أقل بكثير من الأسعار العالمية.
وتشير بيانات شركة "كيبلر" إلى أن بكين استوردت نحو 1.38 مليون برميل يوميًا من النفط الإيراني في النصف الأول من عام 2025، وهو ما يعادل 13.4% من وارداتها البحرية، بينما تستحوذ وحدها على نحو 90% من صادرات إيران النفطية بسبب غياب المشترين الآخرين.
وفي الوقت نفسه، بلغت وارداتها من النفط الروسي في عام 2024 مستوى تاريخيًا وصل إلى 2.17 مليون برميل يوميًا، متجاوزة بذلك وارداتها من السعودية.

هذه الخصومات الكبيرة تمنح الصناعة الصينية ميزة تنافسية واضحة، إذ تخفض تكاليف الإنتاج وتدعم قدرة الصادرات الصينية على المنافسة في الأسواق العالمية.

ولا تقتصر استفادة الصين على الطاقة فحسب، بل تمتد إلى الاستثمار في الفراغات التي تتركها الشركات الغربية في المناطق المتوترة.
ففي الوقت الذي تتردد فيه الشركات الأوروبية والأمريكية في ضخ استثمارات جديدة في بيئات عالية المخاطر، توسع الشركات الصينية حضورها في الشرق الأوسط عبر مشاريع طويلة الأمد في البنية التحتية والطاقة والصناعة.
ووفقًا لتقارير مبادرة الحزام والطريق، فقد بلغ حجم الاستثمارات الصينية في المنطقة نحو 39 مليار دولار خلال عام 2024، بزيادة تجاوزت الـ 100% عن السنوات السابقة، مع تصدر السعودية بـ18.9 مليار دولار، تليها العراق بـ9 مليارات، ثم الإمارات بـ3.1 مليارات.
هذه الاستثمارات لا تقتصر على إنشاء مشاريع منفصلة، بل تسعى إلى بناء شبكات لوجستية متكاملة تربط المنطقة بالاقتصاد الصيني، ما يعزز حضور بكين الاقتصادي على المدى الطويل.
وفي الجانب الأمني، تستفيد الصين من واقع تتحمل فيه الولايات المتحدة العبء الأكبر في حماية الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر.
فهذه الممرات تشكل شريانًا أساسيًا للتجارة العالمية، حيث يمر عبر هرمز وحده نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا.
ورغم ارتفاع تكاليف التأمين على السفن العابرة للمضيق من 0.25% إلى نحو 3% بسبب التوترات، فإن الصين تستفيد من الأمن البحري الذي توفره واشنطن دون أن تتحمل أي تكلفة عسكرية أو مالية تذكر.
هذا النموذج، الذي يعرف بـ"الراكب المجاني"، يسمح لبكين بالتركيز على التوسع الاقتصادي دون الانخراط في صراعات أو تحالفات أمنية مكلفة.
وتعزز الصين هذا النهج عبر دبلوماسية تقوم على الحياد العملي، ما يمنحها قدرة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف متصارعة في المنطقة.
فهي تبني شراكة استراتيجية مع إيران في مجالات الطاقة والتجارة، مستفيدة من العقوبات الغربية للحصول على النفط بأسعار منخفضة، وفي الوقت نفسه توسع تعاونها الاقتصادي مع السعودية والإمارات في مجالات الطاقة المتجددة والبنية التحتية والتكنولوجيا.
أما مع إسرائيل، فالعلاقة تأخذ طابعًا تجاريًا وتكنولوجيًا بعيدًا عن الحسابات الأمنية المعقدة.
وقد مكن هذا التوازن الصين من لعب دور الوسيط، كما ظهر في اتفاق استئناف العلاقات بين السعودية وإيران عام 2023، ما عزز صورتها كقوة قادرة على جمع الخصوم دون فرض شروط سياسية أو أيديولوجية.

ومع تصاعد التوترات في الخليج وتزايد العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تتحرك الصين عبر أدواتها الدبلوماسية بدلًا من القوة الصلبة.
فقد أرسلت مؤخرًا مبعوثًا خاصًا إلى الشرق الأوسط لدعم جهود التهدئة، بينما دعا وزير الخارجية الصيني إلى وقف العمليات العسكرية والعودة إلى الحوار، مؤكدًا ضرورة حماية المدنيين وضمان أمن الممرات الملاحية.
وتأتي هذه التحركات ضمن رؤية دبلوماسية أوسع تسعى إلى تقديم الصين كوسيط محايد قادر على التواصل مع جميع الأطراف دون انحياز، مستندة إلى مبادئ ثابتة مثل احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وحل النزاعات عبر الحوار.

بهذا النهج، تنجح الصين في بناء نفوذ متنامٍ في الشرق الأوسط دون أن تتحمل كلفة الانخراط العسكري أو الأمني.
فهي تستفيد من النفط الرخيص، وتملأ الفراغ الاستثماري، وتستغل الأمن الذي توفره الولايات المتحدة، وتستخدم دبلوماسية الحياد لتعزيز حضورها السياسي.
هذه الاستراتيجية، التي يمكن وصفها بـ"الانخراط من دون انخراط"، تمنح بكين قدرة على توسيع نفوذها العالمي دون الدخول في صدامات أو تحالفات مكلفة، وتفتح لها المجال لتكون لاعبًا رئيسيًا في منطقة شديدة التعقيد.

ضغوط الصين الدبلوماسية والاقتصادية لحماية أمنها الطاقوي

وفي هذا السياق، قالت الباحثة في الشؤون الصينية، الدكتورة تمارا برو لـ"نافذة الشرق" إن الصين تعتمد بشكل كبير على الطاقة، لاسيما النفط القادم من الشرق الأوسط، حيث يمر أكثر من نصف احتياجاتها النفطية عبر مضيق هرمز.
وأوضحت أن أي خلل في وصول الطاقة إلى الصين قد يسبب خسائر كبيرة لاقتصادها، خاصة في ظل سعي بكين لتعزيز نمو اقتصادها، ومحاولة تخفيف التوترات في المنطقة منذ اندلاع الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ومنع امتدادها إلى حرب إقليمية قد تؤثر على استثماراتها وأمنها الطاقوي.
وأضافت برو أن الصين لم تتضرر حتى الآن بشكل كبير، إذ تمتلك مخزونات نفطية كبيرة، فيما تواصل إيران تصدير النفط إليها، مع استمرار مرور ناقلات النفط الصينية عبر مضيق هرمز.
لكنها أكدت أن الصين قد تتحرك للضغط على إيران إذا توقفت الحركة نهائيًا في المضيق أو استمر استهداف المصافي النفطية في دول الخليج، بهدف حماية ناقلات النفط وضمان استمرار الإمدادات.
وأوضحت أن بكين قد تمارس ضغوطًا على الولايات المتحدة لوقف الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، مع السعي في الوقت نفسه لدفع طهران إلى وقف هجماتها.
وأشارت برو إلى أن الصين قد تستخدم أدوات اقتصادية، مثل حظر أو تقييد تصدير المعادن النادرة إلى الولايات المتحدة، أو فرض قيود على شركات أمريكية تعمل في الصين، وذلك للضغط من أجل إنهاء الصراع وحماية مصالحها الحيوية.
وأكدت برو أن الصين لن تتدخل عسكريًا في حال تصاعد النزاع، مشيرة إلى أن بكين تحتفظ بعلاقات وثيقة مع دول الخليج وإيران، ولن تفضل طرفًا على آخر.
وأضافت أن الصين لن تنخرط في صراع عسكري مع الولايات المتحدة في المنطقة، نظرًا للعلاقات الاقتصادية والتجارية القائمة، لكنها قد تتحرك إذا شعرت بأن مصالحها مهددة، عبر الضغط الدبلوماسي على جميع الأطراف.
وأشارت إلى أن الصين قد تسعى لإبرام صفقات تضمن استمرار تدفق النفط الإيراني، مع الحفاظ على استقرار النظام القائم ومنع الولايات المتحدة من الدفع نحو قيادة جديدة في البلاد، لما لذلك من تأثير كبير على مصالح بكين.

وأضافت برو أن الصين توسع نفوذها اقتصاديًا وتجاريًا وتكنولوجيًا في الشرق الأوسط، وهو توسع أثار قلق الولايات المتحدة التي مارست ضغوطًا على حلفائها لتقليل الاعتماد على الشركات الصينية مثل هواوي.
كما تحدثت تقارير عن محاولات صينية لإقامة منشآت عسكرية في المنطقة، ما دفع واشنطن إلى مراقبة تحركات بكين لتوسيع وجودها عن كثب.
وأوضحت أن الصين لا تسعى لاستبدال الولايات المتحدة في المنطقة، بل ترغب في تعزيز اقتصاد الشرق الأوسط وضمان استمرارية تدفق النفط إليها، مع حماية مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية.
واختتمت برو حديثها بالقول إن هذا النهج يمنح الصين قدرة أكبر على توسيع نفوذها في الشرق الأوسط مع حماية مصالحها في الطاقة والاستثمار، مع الحفاظ على دورها كوسيط دبلوماسي دون الانخراط في صدامات مباشرة.

تفوق صناعي صيني بفضل النفط المخفض

ومن منظور اقتصادي، يرى الباحث محمد حداد أن اعتماد الصين المتزايد على النفط الإيراني والروسي بأسعار مخفضة يمنحها تفوقًا صناعيًا واضحًا خلال السنوات المقبلة، خاصة مع تجاوز وارداتها في بعض أشهر العام 12 مليون برميل يوميًا.
وأكد حداد لـ"نافذة الشرق" أن هذه الخصومات تخفض تكاليف الطاقة والنقل للصناعات الصينية، خصوصًا في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، ما يعزز قدرتها التنافسية عالميًا ويزيد قدرتها على توجيه الموارد نحو تطوير الإنتاج.

إعادة تشكيل مسارات التجارة العالمية

وحسب رؤية حداد، فإن الاستثمارات الصينية في الشرق الأوسط قد تعيد تشكيل مسارات التجارة العالمية، إذ لا تكتفي بكين بشراء النفط، بل تبني موانئ وطرقًا ومحطات طاقة تمنحها قدرة على إعادة توجيه التجارة وتقليل الاعتماد على الممرات التقليدية مثل قناة السويس ومضيق هرمز. كما أن العقود طويلة الأجل في هذه المشاريع تعزز ارتباط الدول العربية بالتمويل والتكنولوجيا الصينية، ما يمنح بكين نفوذًا اقتصاديًا متزايدًا.
وفيما يتعلق بالمخاطر، أوضح حداد أن الاضطرابات الأمنية قد تكلف الصين مليارات الدولارات، لكنها تمتلك أدوات قوية للتحوط، مثل تنويع موردي الطاقة وبناء مخزون استراتيجي ضخم.
وختم حداد بأن قدرة الصين على الاستفادة من هذه المزايا مرتبطة باستقرار الشرق الأوسط ومرونتها في مواجهة التحولات الجيوسياسية، ما يعزز نفوذها الاقتصادي والسياسي في المنطقة دون الحاجة إلى تدخل عسكري.