الوحل الامريكى فى جبال الحوثيين فى اليمن…حسابات المكسب والخسارة

منذ أواخر تسعينيات القرن العشرين، أسست عائلة الحوثي في ​​أقصى شمال اليمن حركة إحياء ديني للطائفة الزيدية الشيعية، والتي حكمت اليمن سابقًا، لكن معقلها الشمالي أصبح فقيرًا ومهمّشًا. ومع تزايد الخلاف مع الحكومة في العاصمة صنعاء، خاضوا سلسلة من حروب العصابات مع الجيش الوطني، وصراعًا حدوديًا قصيرًا مع المملكة العربية السعودية فشن التحالف العربي حينها هجوما ضدها وفى النهاية توصلوا لتوافقات عديدة كثيرا ما تنقصت لها جماعة الحوثي. وهناك صعوبة حقيقة في تحقيق أي نجاح يذكر على الحوثيين المتحصنين في الجبال. حيث أسس عبد الملك الحوثي قوةً ضاريةً من مجموعةٍ من مقاتلي الجبال المتناثرين الذين يرتدون الصنادل، لتتحدى القوى العالمية وتشكل خطرا كبيرا على الملاحة في البحر الأحمر. واكتسب الحوثي سمعةً  ميدانية جيدة كقائدٍ شرس بين مريديه قبل أن يبرز زعيمًا للحركة الحوثية. وتحت قيادة الحوثي، نمت الجماعة لتصبح ميليشيا كبيرة تضم عشرات الآلاف من المقاتلين، واكتسبت ترسانةً ضخمةً من الطائرات المسيرة المسلحة والصواريخ الباليستية جاءت اليها من إيران. ويُعرف الحوثي بقلة بقائه في مكانٍ واحد، وعدم ظهوره الإعلامي، وتردده الشديد في الظهور العلني. وعلى هذا فإن اندلاع الحرب الاهلية فى اليمن مكنته من استعادة صنعاء. وسيطر الحوثيون على معظم شمال البلاد ومراكز سكانية كبيرة أخرى، بينما اتخذت الحكومة المعترف بها دوليًا من مدينة عدن الساحلية مقرًا لها. وشهدت اليمن فترة من الهدوء النسبي وسط جهود السلام التي تقودها الأمم المتحدة، إلا أن التصعيد الحاد في التوترات الإقليمية منذ بدء حرب غزة زاد من مخاطر اندلاع صراع جديد بين الميليشيا واسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة الامريكية. وأدت هجمات الحوثيين إلى تعطيل حركة الشحن العالمية، مما أجبر الشركات على تغيير مساراتها إلى رحلات أطول وأكثر تكلفة حول جنوب إفريقيا. ولم تستطع الضربات الاسرائيلية أن تحقق أى نجاح يؤثر على قوة الحوثيين ويجبرهم على التراجع عن توجيه الضربات الصاروخية لاسرائيل. ولم تنجح التهديدات الامريكية الشفهية فى عهد بايدن أت تخيف الحوثى أو تجعله يعلن ايقافه لتلك الضربات التى كان يوجهها لاسرائيل. ربما لمعرفة الامريكيين لصعوبة الدخول فى صراع مع مليشيا، وربما لتوظيفهم كورقة تخيف بلدان الخليج.

  وتجدد الأمر في عهد دونالد ترامب. فبعد قيام الحوثيين بأسقاط طائرة أمريكية بدون طيار في شهر فبراير 2025 أمر ترامب البنتاجون بالبدء في إعداد خطط عسكرية ضد الحوثيين وإعادة تصنيفهم كمنظمة إرهابية بعد عدة أسابيع من توليه منصبه. وسرعان ما وافق ترامب على خطة الهجوم يوم الجمعة 14 مارس، وأصدر الأمر النهائي بتنفيذها يوم السبت 15 مارس 2025. ثم أبلغت إدارة ترامب عددًا قليلًا من حلفائها الرئيسيين مسبقًا، بما فيهم إسرائيل. وعبر  ترامب بأن هجمات الحوثيين كبّدت الاقتصاد الأمريكي والعالمي مليارات الدولارات. مشيرا بأنه لن يُتسامح مع هجوم الحوثيين على السفن الأمريكية. وأنهم سيستخدمون القوة المميتة الساحقة حتى يحققوا هدفهم، مُلمّحًا بأن هذه الضربات تعد جزءا من حملة عسكرية أوسع. وأن الضربات ضد الحوثيين هي أيضًا رسالة لإيران. وعلى هذا كانت ضربات السبت 15 مارس أكبر موجة من الغارات الأمريكية في اليمن.

  ولم يتوقف الضرب عند هذا الحد بل أعلن المتمردون الحوثيين في اليمن عن شنّ ضربات جوية أمريكية جديدة ضدهم في الأيام التالية، بما أدى إلى ارتفاع عدد القتلى إلى 53، بينهم خمسة أطفال وإصابة 98 آخرين. وتم قصف أهداف في منطقتي الجوف والحديدة صباح الاثنين. حيث دخل الحوثيون في صراع غزة بهجمات على طرق الشحن في البحر الأحمر كإظهار لدعمهم للفلسطينيين وحماس، ورد الحوثيين على ذلك باستهداف حاملة الطائرات الامريكية هاري ترومان وعددا من القطع الحربية المعادية. بينما أكدت القيادة المركزية الأمريكية أن قواتها واصلت عملياتها. وشنت ما وصفته بموجة حاسمة وقوية من الضربات الجوية على أهداف للحوثيين في إطار جهودها لوقف هجمات الحوثيين على حركة الملاحة في البحر الأحمر. وقالوا بأنهم أوقعوا بعض الشخصيات الحوثية البارزة من بين القتلى. وأن الطائرات الحربية الأمريكية أسقطت 11 طائرة حوثية مسيرة يوم الأحد، ولم تقترب أي منها من حاملة الطائرات ترومان. وفى 19 مارس شنّت الولايات المتحدة غارات جوية خلال الليل على أهداف في أنحاء اليمن، بما في ذلك محافظة صعدة، باعتبارها مخبأ قديم لقادة الحوثيين الموالين لإيران، ومدينة الحديدة الساحلية المطلة على البحر الأحمر. وشنت أكثر من عشر غارات على مواقع مختلفة، بما في ذلك مديرية الصفراء بصعدة. وتضم المنطقة مخازن أسلحة ومواقع تدريب، وتُعتبر من أهم معاقل الجماعة العسكرية وأكثرها تحصينًا. وردوا بأطلاق صاروخ على النقب بالتزامن مع حفل تخريج دورة ضباط في الجيش الإسرائيلي.

وعبر وزير الخارجية الأميركي بأن إيران خلقت هذا الوحش المرعب الممثل في الحوثيين، وعليهم تحمل مسؤوليته. مقرا بشكل غير مباشر بقوة هذه الميليشيا وقدرتها، وبالنسبة لتهديده لطهران، فقد ردت خارجيتها، بأنهم إذا سلموا بما يقول، بأن صنعاء وحش مرعب، فما باله بايران. ملوحا بخسائر كبيرة إذا تم استهداف ايران وضربها. وعلى هذا تبدو حرب التصريحات مشتعلة بين الطرفين، الأمريكي والإيراني، فايران تحسن توظيف ورقة اتباعها. ولو اضطرت أن تبيعهم كما باعوا بشار الاسد وحسن نصرالله من قبل، ويضمنوا عدم توجيه ضربة امريكية لهم، فسيفعلوا ذلك حتما، بل سيقدموا خريطة الأماكن التي يتوجد فيها القادة الحوثيين، ويقدمون احداثيات لاماكن تواجدهم.  

  والسؤال الذى يطرح نفسه للنقاش: هل يمكن للولايات المتحدة أن تحقق أهدافها من ضرب الحوثيين فى اليمن؟ أم أنهم وقعوا فى وحل اليمن ولا منقذ لهم ولا مخرج؟ الإجابة تقول بأن الحوثيين بارعين في حرب العصابات، وأن الولايات المتحدة طالما تقتصر عملياتها على الضربات الجوية فلن تحقق أي مكاسب. وطالما أنها لن تتدخل بريا، فعليهم الانتظار مائة عام أخرى حتى يسلم لهم الحوثيين بما يريدون. وذلك لسبب بسيط وهو أن الحوثيين يضربون ويختفون في الجبال والكهوف. بل إن أسلحة المتمردين التي تشمل منصات صواريخ متنقلة، يصعب العثور عليها وتدميرها. فقدرة الحوثيين على الصمود تنبع من انتشار أسلحتهم عبر تضاريس اليمن الوعرة، وهو ما يُعقِّد جهود الاستهداف. خاصة وأن الحوثيين لم يتعرضوا لاختراق مخابراتي لينكشف أمرهم كما حدث لحزب الله.

  أضف الى ذلك تأثير طول العملية العسكرية ضدهم على أمن البحر الأحمر وتوقف التجارة الدولية. خاصة وأن الحوثيين طوروا طائرات مسيّرة تشتغل بخلايا وقود الهيدروجين، لجعلها تطير لمسافات أبعد بكثير من الطائرات العادية، وبالتالي يصعب رصدها واعتراضها. فقد وصلوا لمكونات التكنولوجيا من إيران وغيرها. ولهذا أصبح خطر هذه المسيرات كابوسا على الملاحة في البحر الأحمر، خصوصًا بعد ما أثبتوا قدرتهم على استهداف السفن التجارية والحربية. وهذا ما يجعل الأمن الإقليمي لمصر والدول الكبرى في اختبار صعب، خاصة مع وجود دعم تقني متطور يجعل من تلك المسيرات أكتر فاعلية وصعوبة في الاكتشاف. وطبقا لهذه التطورات التقنية إضافة للعامل الجغرافي، وبعد سنوات من القتال في ظروف صعبة وتضاريس وعرة وتعرضهم لآلاف الضربات الجوية من قبل، فإن الحوثيين لن يكونوا هدفا سهلا للأمريكيين. فقد سبق أن صمد الحوثيون في وجه “أكثر من 25 ألف غارة لقوات التحالف على المناطق الخاضعة لسيطرتهم. وسبق لاسرائيل وامريكا ضربهم، ومع ذلك يزدادوا إصرارا. فتاريخ القتال مع الحوثيين يقول بأن الولايات المتحدة وقعت في وحل لا يمكن أن تنتصر فيه. وأنها اذا ما أصرت على القضاء عليهم فلن تنجح إلا بحيل مخابراتية وتواطؤ إيراني فقط. أما غير ذلك فلن تنجح. أو تكون الضربات لفترة محدودة بهدف الجلوس معهم في تفاوض منفرد بعيدا عن ايران. فربما تنجح امريكا أو تفشل في ذلك، بناء على فهم الحوثيين لما حدث من خذلان لنصرالله وبشار الاسد في نهاية العام الماضي.

وبحسابات المكسب والخسارة فإن الحوثيين يكسبون في حالة حرب جوية طويلة الأمد، أو حتى في حالة نزول برى غير عارف بطبيعة الصعوبات التي تقابلهم في جبال وهضاب اليمن. ويمكن للولايات المتحدة الامريكية أن تكسب في حالة واحدة، وهى الوصول الى توافق مع ايران، والاستفادة منها على حساب الحوثيين. وهو ما يجعل الحوثيين لا يثقون بإيران كثيرا في حالة استشعارهم بهذا التفاهم ليسلموا رقابهم نعاجا للمذبحة الامريكية. أما في حالة التوافق الأمريكي مع الحوثيين بعيدا عن ايران، فسيكون هو الحل الأمثل وليس الأسهل للأمريكان. فهل يمكن للأمريكان المجازفة بدول الخليج وكسب الحوثيين؟ أم أن الحوثيين سيمثلون عبء في كل الحالات ولابد من أن توجد الولايات المتحدة الأمريكية حلا للتخلص منهم نهائيا وتكسب على كافة المستويات؟

الكاتب/د.أحمد عبد الدايم، أستاذ التاريخ السياسي والعلاقات الدولية بجامعة القاهرة