كتبت: هدير البحيري
يعكس خطاب رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سعد الحريري في الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال والده رفيق الحريري تحولًا محسوبًا في تموضعه السياسي، أقرب إلى إعادة اختبار للشارع السني منه إلى إعلان عودة مكتملة إلى الحياة العامة.
ويترجم هذا التحول الرمزي اليوم في سلوكه العملي، بعد انسحابه قبل أربعة أعوام احتجاجًا على انسداد الأفق الوطني وتغول التدخلات الخارجية، حيث يترك سعد الحريري الباب مفتوحًا أمام مشاركة تيار المستقبل في الانتخابات النيابية المقبلة، دون تقديم أي التزام مباشر لخصومه أو حلفائه.
ولم يكن جوهر الرسالة إعلان مشاركة صريحًا، بل وعدًا مشروطًا: "قولوا لي متى الانتخابات لأقول لكم ماذا سيفعل المستقبل".
وهذه الرسالة لا تعكس ترددًا بقدر ما تشير إلى رغبة في الاحتفاظ بأوراق القوة حتى اللحظة الأخيرة، في ظل مشهد سياسي مرتبك وسجال مفتوح حول موعد الاستحقاق النيابي، الذي يتمسك رئيس مجلس النواب نبيه بري بإجرائه في موعده في العاشر من مايو.
ولا يقتصر الخطاب على إعلان موقف انتخابي محتمل، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إعادة تعريف موقع "الحريرية السياسية" داخل المعادلة اللبنانية. فالحريري يدرك أن غيابه عن الانتخابات الماضية أحدث فراغًا داخل بيئته، وأعاد توزيع التمثيل السني على نحو غير مستقر، ما جعل من خطابه محاولة لاستعادة المبادرة الرمزية تمهيدًا لقرار عملي لاحق.
ولم يكن استحضار رفيق الحريري في الخطاب طقسًا عاطفيًا بقدر ما شكل استثمارًا سياسيًا في رمز الدولة؛ فمن خلال الإشارة إلى "مدرسة رفيق الحريري" و"مشروع الدولة"، يعيد تيار المستقبل تموضعه في خانة الدفاع عن اتفاق الطائف وبنية الدولة المركزية، في مواجهة ما يعتبره تمددًا للسلاح خارج الشرعية وتراجعًا في مفهوم السيادة.
وهكذا يتجاوز الخطاب البعد الشخصي ليعيد تثبيت ثوابت سياسية: دولة واحدة، سلاح واحد، ودستور واحد.
وإذا كان الخطاب قد أعاد تأكيد موقع التيار في معادلة الداخل، فإنه سعى كذلك إلى تثبيت تموضع لبنان في محيطه العربي. فالتأكيد على أن "لبنان أولًا، لبنان عربي" لا يبدو مجرد شعار، بل رسالة مزدوجة: تطمين للبيئة العربية بأن الحريرية ما زالت ترى في العمق العربي ضمانة للاستقرار، وإشارة داخلية إلى أن إعادة التوازن اللبناني تمر عبر علاقات عربية مستقرة، بما في ذلك مع سوريا.
وفي هذا السياق، قال الباحث في العلوم السياسية إلياس عطا لـ"نافذة الشرق" إن تحرك سعد الحريري نحو التلميح بالعودة إلى لبنان في هذه المرحلة ليس مجرد خطوة شخصية، بل يندرج ضمن حسابات سياسية دقيقة. فالتوقيت الحالي يتزامن مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وتصاعد الخلافات على مستوى تشكيل الحكومة وإقرار الإصلاحات.
وبحسب عطا، فإن إعلان الحريري عن نيته العودة يحمل رسالة مزدوجة: أولًا، لإعادة تثبيت مكانته كمرجعية سنية مؤثرة في الساحة اللبنانية، وثانيًا، للضغط على الأطراف الأخرى لفتح حوار جديد حول الملفات الخلافية، خصوصًا تلك المتعلقة بالاستقرار الحكومي والسياسي.
وأضاف الباحث في العلوم السياسية أن عودة الحريري المحتملة قد تغير بشكل ملموس خريطة التحالفات السياسية في لبنان، إذ من المتوقع أن تؤدي إلى إعادة ترتيب التحالفات داخل الطائفة السنية، وربما تؤثر أيضًا على تحالفات القوى السياسية الأخرى.
فقد يرى بعض الأحزاب الموالية أو المعارضة للحريري ضرورة إعادة النظر في مواقفها، ما قد يخلق ديناميكية جديدة في البرلمان والحكومة، ويسمح بإعادة توزيع الأدوار بين الكتل الكبرى والصغرى.
وأشار عطا إلى أن تحركات الحريري تتأثر بمزيج من الضغوط الداخلية والخارجية. فالضغط الداخلي يأتي من قوى سنية ومجتمعية ترى في حضوره ضرورة للحفاظ على التوازن السياسي الداخلي، بينما الضغوط الخارجية تأتي من دول عربية ودولية لديها مصالح محددة في استقرار لبنان واستمرارية سياساته بما يتوافق مع مصالحها الإقليمية. هذه التوازنات تجعل أي خطوة من قبل الحريري مرتبطة بحسابات دقيقة حول توقيت العودة ومدى دعم الأطراف المختلفة له.
وأوضح عطا أن موقف الأحزاب والمكونات السياسية الأخرى سيكون حاسمًا في تحديد مصير عودة الحريري، فالدعم من بعض الأطراف أو تسهيل الإجراءات له قد يمكنه من استعادة دوره بشكل أقوى، بينما التحفظ أو المعارضة من قبل فاعلين رئيسيين قد تؤدي إلى تريثه أو إعادة النظر في خططه.
وأضاف عطا أن هذه المعادلة تعكس هشاشة المشهد السياسي اللبناني، حيث تتداخل المصلحة الشخصية مع الحسابات الطائفية والتحالفات الدولية، مما يجعل أي خطوة محسوبة بدقة.
وبالنسبة لتأثير العودة على الأزمة السياسية والاقتصادية، يرى عطا أنها تحمل فرصًا محدودة لتخفيف حدة التوترات وإعادة تحريك الحوار بين الأطراف، خصوصًا على صعيد تشكيل الحكومة وتفعيل مؤسسات الدولة، لكن في المقابل هناك مخاطر واضحة بأن تزيد التعقيدات إذا لم تصاحب العودة خطوات عملية نحو الإصلاح المالي والسياسي. فالنجاح يعتمد على قدرة الأطراف على تجاوز الانقسامات وإيجاد حلول توافقية للأزمات الاقتصادية المستعصية التي يواجهها لبنان.
وختم عطا بالإشارة إلى أن أي خطوة من قبل الحريري ستخضع لمراقبة دقيقة من الدول العربية والأطراف الدولية، إذ أن عودته قد تعيد تفعيل الدور الإقليمي للبنان وتحسين علاقاته مع الدول العربية الداعمة، مثل السعودية ودول الخليج، وتساهم في استعادة بعض الثقة الدولية.
في المقابل، إذا رافقتها خلافات سياسية مفتوحة أو تعثر في معالجة الملفات الاقتصادية الحساسة، فقد تزيد من تعقيد الموقف الدولي وتوتر العلاقة مع أطراف إقليمية ترى في عودته تحديًا لمصالحها، ما يجعل لتحركاته انعكاسات إقليمية ودولية ملموسة على لبنان.



