كتبت: علياء الهواري
منذ توقيع اتفاق شرم الشيخ في أكتوبر الماضي، دخل ملف السلاح في قطاع غزة مرحلة جديدة من التعقيد، باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في مسار الانتقال من الحرب إلى التهدئة ،فبين مطالب إسرائيلية وأميركية بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية بالكامل، ورؤية مصرية أكثر واقعية تقوم على حصر السلاح وتنظيمه، تتشكل معركة سياسية وأمنية هادئة، لكنها حاسمة في رسم مستقبل غزة.
بحسب الباحث في العلوم السياسية والاستراتيجية حسام الموافي، تحاول القاهرة منذ بداية مسار التهدئة الموازنة بين واقع ميداني شديد التعقيد داخل قطاع غزة، وبين مطالب أمنية إسرائيلية ودولية ملحة، فقد تم تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، واليوم يجري الانتقال إلى تنفيذ المرحلة الثانية، وسط إدراك مصري بأن أي طرح غير قابل للتنفيذ على الأرض سيعيد الحرب إلى نقطة الصفر
وتقوم الاستراتيجية المصرية في إدارة ملف السلاح على مبدأ التدرج والواقعية. فالقاهرة تدرك أن المطالبة بنزع السلاح فورًا تمثل شرطًا تعجيزيًا لا يمكن تحقيقه في ظل عدم وجود هزيمة عسكرية شاملة للفصائل، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار الحرب إلى أجل غير مسمى. لذلك تطرح مصر بدائل تضمن السيطرة على السلاح ومنع استخدامه ضد إسرائيل، مع الحفاظ في الوقت ذاته على هيكلية أمنية فلسطينية قادرة على ضبط الوضع الداخلي ومنع الفوضى
ويرى الموافي أن طرح خيار حصر السلاح بدلًا من نزعه بالكامل يستند إلى عدة اعتبارات أساسية. أولها الواقعية الميدانية، إذ إن نزع السلاح الكامل يتطلب استسلامًا مطلقًا أو سيطرة عسكرية شاملة، وهو ما لم يتحقق. ثانيها الخشية من الفراغ الأمني، حيث تخشى القاهرة أن يؤدي نزع السلاح المفاجئ إلى تفكك السيطرة وظهور مجموعات مسلحة صغيرة غير منضبطة يصعب احتواؤها. أما الاعتبار الثالث فيتعلق بالسيادة الفلسطينية، إذ ترى مصر أن تجريد الفلسطينيين من السلاح بشكل كامل يضعف موقفهم التفاوضي في أي مسار سياسي مستقبلي
فلسفة السيطرة: الفرق بين "التجريد الشامل" و"المركزية الأمنية"
ويشرح الموافي الفروق الجوهرية بين مفهومي نزع السلاح وحصر السلاح، فالأول يستهدف إنهاء وجود أي قطعة سلاح لدى الفصائل، وغالبًا ما ينتهي بإتلاف السلاح أو تسليمه لجهة دولية، ما يعني استسلامًا عسكريًا كاملًا وانتهاء الدور العسكري للفصائل. أما حصر السلاح، فيقوم على تجميعه في مخازن تخضع لسلطة مركزية، بحيث يبقى السلاح موجودًا لكن قرار استخدامه يصبح بيد حكومة أو مرجعية وطنية موحدة، لا بيد الفصائل، وهو ما يسمح بدمج هذه الفصائل داخل إطار سياسي وأمني منظم
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى المقاربة المصرية بعين الشك والريبة. فبحسب الموافي، ترى تل أبيب أن حصر السلاح لا يعدو كونه هدنة تكتيكية تتيح لحركة حماس والفصائل إعادة بناء قدراتها العسكرية. وتصر إسرائيل على نزع السلاح الكامل لضمان عدم تكرار هجمات مشابهة لما حدث في السابع من أكتوبر، ولتحقيق ما تسميه نصرًا مطلقًا يمكن تسويقه داخليًا للرأي العام الإسرائيلي
وعلى مستوى التوافق الدولي، يشير الموافي إلى أن الرؤية المصرية تتقاطع جزئيًا مع مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقرار مجلس الأمن. فبينما تميل المبادرة الأميركية في جوهرها إلى تلبية المطالب الإسرائيلية بجعل غزة منزوعة السلاح، فإن الإدارة الأميركية في نسختها الجديدة قد تقبل بخيار حصر السلاح كمرحلة انتقالية، إذا ما ضمنت القاهرة وشركاؤها الإقليميون هدوءًا طويل الأمد. أما قرار مجلس الأمن، فيدعو إلى وقف إطلاق النار وترتيبات أمنية، وهو ما تعتبره مصر ترجمة عملية لما يجب أن يحدث على الأرض.



