كتبت: علياء الهواري
في لحظة حرجة يبدو فيها الشرق وكأنه يسير فوق خيط رفيع يترنح بين الردع والانفجار الشامل، يعود النفط ليحتل قلب العاصفة من جديد، فالتصعيد العسكري المتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم يحبس أنفاس الميدان العسكري فحسب، بل تمدد ليحكم قبضته على شاشات البورصات وأسواق الطاقة العالمية، حيث اشتعلت التوقعات ووجدت منظمة "أوبك+" نفسها عالقة بين مطرقة الحفاظ على استقرار السوق وسندان المخاطر الجيوسياسية المتسارعة.
وفي قراءة تحليلية للمشهد من زاوية الطاقة والأمن، يرى الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية محمد خالد شعبان أن سوق النفط تحرك بسرعة تعكس حساسيته المفرطة تجاه أي توتر في منطقة الخليج، حيث قفز سعر خام برنت إلى مستويات هي الأعلى منذ أشهر بمجرد بدء التصعيد، مؤكداً أن الوصول إلى عتبة 80 دولاراً للبرميل بات احتمالاً وارداً جداً إذا ما واجهت الإمدادات أي تعطل ملموس، فالسوق لا ينتظر وقوع الكارثة بل يسعر الاحتمالات والمخاوف قبل أن تتحول إلى واقع ملموس على الأرض.
أوبك+ ومعضلة التوازن بين الاستقرار والمخاطر
ويرتبط القلق الأكبر بالقدرات الإنتاجية الإيرانية التي تتراوح في الظروف العادية ما بين 3.1 إلى 3.3 مليون برميل يومياً، حيث إن أي خلل في هذه المنشآت سيترك أثراً عميقاً في التوازن العالمي، لكن الخطر الحقيقي يكمن في "مضيق هرمز"، ذلك الشريان الحيوي الذي يضخ نحو 20 مليون برميل يومياً، فمجرد التلويح بتهديد الملاحة فيه يكفي لزرع "علاوة مخاطرة" ضخمة في الأسعار، وبالرغم من غياب التقارير المؤكدة عن تعطل الموانئ حتى الآن، إلا أن التهديد اللفظي وحده كفيل بتحويل التصريحات العسكرية إلى أرقام خضراء متصاعدة على شاشات التداول.
وحول دور "أوبك+" في هذه الأزمة، يوضح شعبان أن التحالف الذي يضم قوى مؤثرة كالسعودية والإمارات وروسيا قد يجد نفسه مضطراً لإعادة النظر في جداول زيادة الإنتاج التدريجية، فبدلاً من الزيادة الطفيفة المقررة في أبريل، قد تفرض الضرورة زيادة أكبر لتهدئة روع الأسواق ومنع القفزات الحادة، ومع ذلك تظل الصورة معقدة في ظل القيود التي تواجهها دول مثل روسيا بفعل العقوبات، مما يحد من قدرة التحالف على التعويض الكامل لأي نقص مفاجئ.
فاتورة التصعيد.. الاقتصاد العالمي في مهب الريح
ويؤكد الباحث أن الاحتياطيات الاستراتيجية للدول الصناعية قد تمتص الصدمات قصيرة الأجل، لكنها ليست حلاً سحرياً إذا طال أمد النزاع، خاصة وأن الطلب العالمي لا يزال قوياً والطاقة الفائضة لدى المنتجين ليست بالضخامة التي تضمن تغطية أزمة ممتدة، مما قد يدفع الأسعار في السيناريو الأسوأ نحو حاجز الـ 100 دولار، وهو ما يعني تحويل "علاوة المخاطرة" التي يضيفها المستثمرون حالياً إلى عبء تضخمي ينهك الاقتصاد العالمي المتعافي بصعوبة من أزماته المتتالية.
وبالنسبة لدول الخليج، تبدو الصورة مزدوجة المعايير، فبينما يمثل ارتفاع الأسعار انتعاشاً للميزانيات المعتمدة على النفط، إلا أن اضطراب السوق يرفع معدلات التضخم ويزيد من حالة عدم اليقين التي تضرب الاستثمارات طويلة الأجل، ويحذر شعبان من أن تحول المواجهة إلى حرب إقليمية واسعة سيعني الدخول في أزمة طاقة حقيقية لا تقتصر على زيادة بضعة دولارات، بل تمتد لتخلق موجة ركود في الدول المستوردة وضغوطاً هائلة على الاقتصادات الناشئة والفقيرة التي ستكون الضحية الأولى لهذا الانفجار. وفي النهاية، يظل سوق النفط يعيش لحظة ترقب حذر، فالنفط اليوم ليس مجرد سلعة تجارية بل هو مرآة للتوتر السياسي وميزان لقوة الردع، وبينما يترجم كل صاروخ في الخليج إلى دولار جديد في سعر البرميل، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة الدبلوماسية على إطفاء النيران قبل أن تلتهم الاقتصاد العالمي، أم أننا بصدد فصل جديد يعيد رسم خريطة القوى الاقتصادية عبر بوابة صدمات الطاقة



