يقولون إن اليد التي تُفرّط في سلاحها، لا تكتب مصيرها، بل يكتبه لها عدوّها بالحبر الأحمر. ومع أن المقاومة الفلسطينية في غزة لم تفرط في سلاحها ولم تتركه إلا أنه لم يمضِ على وقف إطلاق النار هناك سوى شهرين حتى انهار الاتفاق بالكامل ليلة الثلاثاء 18 مارس 2025، مما أدى إلى استئناف القتال. حيث أعلنت إسرائيل وبشكل رسمي عودة الحرب على غزة. وبدأ الطيران الحربي الإسرائيلي يقصف بقوة على رفح وخان يونس ودير البلح والنصيرات والبريج والزيتون ومنطقة الكرامة وبيت حانون وغيرها . وتبرر إسرائيل عودة العمليات العسكرية بأنها جاءت بسبب رفض حماس إطلاق سراح الرهائن وتهديدها للمدن الإسرائيلية. وبأن الهجمات بدأت بعد رفض حماس مقترحين أمريكيين للوساطة، مما دفع إسرائيل إلى تكثيف الضغوط العسكرية.
ومع أن الرؤية التي قدمها المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف تتوافق مع رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تماما، وتسعى للإفراج عن الرهائن بدون الالتزام بوقف إطلاق النار أو الانسحاب الإسرائيلي، بما يعد مخالفة صريحة واتفاقا جديدا يصعب تمريره خلال هذه المرحلة، إلا أن كل تلك الحجج ابطلتها الوساطات المصرية والقطرية بمحاولة تمديد الاتفاق والسير في بقية مراحله. لكن إسرائيل لم تتلفت الي تلك الوساطات، وتمسكت بالرؤية الامريكية وخرقت الاتفاق مرارا ولم تلتزم به. وقدمت في الأيام الأخيرة من عملية التفاوض على المرحلة الثانية طرحا مختلفا عما كان مقررا من قبل. مخالفة الكثير من بنود المرحلة الأولى وممارستها لعمليات القصف والقتل العمد لأبناء الشعب الفلسطيني. كما أنها لم تلتزم ببنود الاتفاق الخاص بالبروتوكول الإنساني وإدخال الكرفانات والمعدات الثقيلة، والانتقال إلى التفاوض بشأن المرحلة الثانية الأهم، والتي كانت تشمل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة وبدء جهود إعادة الإعمار والوقف الدائم لإطلاق النار. وزعمت إسرائيل بأن استئناف الحرب على غزة قد جاء بسبب رفض حركة حماس صفقة الأسرى، وهو دعاية كاذبة. حيث استعادت إسرائيل أعدادًا كبيرة من أسراها عبر وقف إطلاق النار. وكانت قادرة على إتمام صفقة أفضل لولا تعنت نتنياهو. ولم تلتزم إسرائيل بالاتفاق، متجاهلة إدخال المساعدات وإجراء مفاوضات المرحلة الثانية، وسعت لتحويله لتبادل أسرى بدعم أميركى. بل رفضت إسرائيل المقترحات العربية لإدارة غزة وإعادة إعمارها، واستمرت في سياسة التجويع والحصار. لكن إذا فصلنا مسألة عودة اسرائيل لأعمال القتال والأسباب التي دفعتها لاستئناف الحرب في هذا التوقيت، لوجدنا أنها تدور في أربعة مسائل رئيسية.
المسألة الأولى، تتعلق بعوامل داخل إسرائيل نفسها. وبمحاولة نتنياهو الهروب من الملاحقة القضائية وصراع اليمين على السلطة. وتصاعد مظاهرات المستوطنين المنددة بحكومته بشكل غير مسبوق. بالإضافة الى قرار إقالة رئيس الشاباك من منصبه ليصبح الشرارة لأحداث ساخنة داخل إسرائيل، فهناك من يرفض أن يتحمل الجيش والأجهزة الأمنية بمفردها مسؤولية السابع من أكتوبر وعملية طوفان الأقصى، بالإضافة لاحتجاجات الاسر على عودة الحرب في غزة، وخطر ذلك على أسراهم. وهو ما يفسر لماذا اعطى نتنياهو الأوامر بقمع المتظاهرين بقسوة. بل إن الحفاظ على الائتلاف الحكومي كان هدفا رئيسيا لنتنياهو للبقاء في السلطة. وكان الوضوح في تصريحات سموترش بأنه أخذ وعداً من نيتنياهو بعدم الذهاب إلى المرحلة الثانية. وكان هذا الوضوح موجودا في شروط بن غفير للعودة إلى الحكومة وعلى رأس هذه الشروط عودة الحرب. حيث كانت عودته ضرورة حتمية لتمرير الموازنة العامة، ومن ثم بقاء الحكومة اليمنية المتطرفة حتى نهاية العام المقبل. فتأثير الوضع الداخلي ظهر جليا فى تحركات نتنياهو، وأنه يحاول تمديد أمد بقاء حكومته من خلال التنصل من اتفاقية الهدنة وبالتالي كسب الوقت للحفاظ على ائتلافه الحاكم. وفي مقدمته الصهيونية الدينية والتي بدت مرتاحة لتصرفات الجيش الإسرائيلي ووحشيته المفرطة. ولهذا كانت عودة بن غفير للحكومة بمثابة لحظة فارقة خطط لها نتنياهو منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، وهذا يعني أن الحرب على غزة باتت مستمرة ولن تتوقف. فعودة هذا الرجل المتطرف وزيرا في حكومة نتنياهو دليل على خطل كثير ظهر في الإعلام العربي حينئذ، ادعى فيه وجود شخصيات داخل الحكومة الإسرائيلية تدعو لوقف الحرب ضد حماس وتعارض خطط نتنياهو لتدمير غزة. لكن بهذه العودة تكتمل أركان المخطط الإسرائيلي لبقاء اليمين مسيطرا على السلطة في إسرائيل وتوفير مساحة زمنية تحقق له قدرا من السيطرة والتملص من محاكمته بتهمة الفساد.
المسألة الثانية، الادعاء بأن حماس هى التى ترفض مقترحات الحلول. ومع أن الاتفاق الأولى بين اسرائيل وحماس موضح به كل شيء ومحدد فيه كل مراحله، إلا أن اسرائيل وحلفاؤها بثوا دعايات كاذبة بأن حماس ترفض أى مقترحات تقدم لها. ويقولون لماذا لم تقبل حماس بالاقتراح الثاني الذي قدمه ويتكوف، والذي يضيف ٥٠ يوماً من الهدنة مقابل الإفراج عن ٥ رهائن أحياء ونصف الرهائن من الموتى، مقابل أسرى في السجون الإسرائيلية وإدخال المساعدات الإنسانية؟ ومع أن حماس لم ترفض هذا المقترح بل وضعت أربعة شروط على هذا الاتفاق، وهى فتح المعابر وإدخال المساعدات قبل عملية التسليم، والانسحاب من محور صلاح الدين، وسحب نقاط التفتيش من محور نتساريم، واعتبار الاتفاق جزءا من الاتفاق السابق، إلا أن هذه المطالب لم تعجب. الأمر الذى جعل اسرائيل تتخذ من تلك الشروط ذريعة لشن عدوان على غزة بحجة أن حماس رفضت. وهو أمر يخالف الحقيقة والواقع ويخالف ما وضعته إسرائيل نفسها من شروط إضافية. حيث وضعت شروطاً مماثلة على المقترح، منها زيادة عدد المفرج عنهم من الأسرى لدى حماس، وتقليل مدة الهدنة. فهل كان على حماس أن تفطن إلى الشراك المنصوب لها وأن توافق على المقترح، بحجة أن كل يوم هدنة هو ضرر بالغ على الحكومة الإسرائيلية المتطرفة كما يدعى البعض؟ أم أن حماس لديها خبرة بالإسرائيليين وانهم يتوحدون على الشر المحدق بالفلسطينيين طوال الوقت؟
المسألة الثالثة، تتعلق برفض حماس القاء السلاح والخروج من المشهد. حيث عبر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأنه “إذا لم يتم إطلاق سراح الرهائن ولم يتم إخراج حماس من غزة، فإن إسرائيل ستتصرف بقوة لم تشهدوها من قبل”. مضيفا “خذ نصيحة رئيس الولايات المتحدة وأنه إذا أطلقنا سراح الرهائن وتخلصنا من حماس، فسوف تصبح الخيارات الأخرى متاحة، بما في ذلك الذهاب إلى أجزاء أخرى من العالم للانضمام إلى أولئك الذين يريدون الذهاب”. فقل لي بربك أي عقل يتعامل معه الاخوة الغزاويون فى هذا المنطق، فاذا كانت النتيجة النهائية هي القاء السلاح وقبول التهجير فأي مقاوم يرعب في تحرير بلاده رأيناه من قبل يقبل بتلك الأمور؟. ولهذا فإن مسألة أن تتخلى حماس عن سلاحها هو أمر مرفوض من قبل حماس وبقية حركات المقاومة، وإن كان هناك طرح لبعض القيادات العربية يقول بإمكانية ابتعادهم عن الحكم وتعود إدارة غزة للسلطة الفلسطينية. لكن حماس تعرف درس التخلي عن السلاح جيدًا، وتدرك بأن البندقية التي تُلقى اليوم، ستُرفع غدًا في وجهها، وتعرف بأن التوقيع على وثيقة نزع السلاح، هو التوقيع على شهادة الاستسلام والتركيع. وأن ما فشلت فيه إسرائيل بالحرب لا يمكن أن تتحصل عليه بالحيلة. ولهذا، فإنها تقول للإسرائيليين ولجميع من يطالبها بذلك بأنهم لن يكونوا هنودا حمرا جددًا، ولن يلقوا بسلاحهم ليساقوا بعدها إلى المذبح. فالسلاح الذي رفعوه في وجه اسرائيل هو الذى صنع المعادلة، وهو الذي حما المقاومة وسيحميها. والبندقية التي فرضت نفسها، لن تسقط بالحيلة والخديعة، ولن تُلقى أبدا. ولهم العبرة فى مقاومة افغانستان للأمريكيين، فحين طالبهم دونالد ترامب بعد تنصيبه بدفع ما انفقته امريكا على حربها هناك، أجابوه بأن عليه أن يأتي ويأخذ هذا المال بقوة السلاح. وكانوا قبل سنوات قد جلس مفاوضو طالبان أمام الأمريكان. وطالب أحدهم بأن يتخلّوا عن سلاحهم. فابتسم الوفد المفاوض وقال أحدهم “هذا السلاح هو الذي أتى بكم إلى هذه الطاولة، ولولاه، لما نظرتم إلينا أصلاً، فكيف نُلقيه؟ وهذه الأيام يرفع الإسرائيليون ذات الورقة، ويطالبون حماس بأن توقّع على ترك السلاح والتخلي عن المقاومة. ويقولون بأن السلام لا يُبنى إلا على نزع السلاح، وأن الأمن لا يأتي إلا بعد تجريد الفلسطيني من وسيلته الوحيدة لحماية نفسه. وهو ما يقود الفلسطينيين الى الاختيار ما بين الذبح أو قبول التهجير. وعلى هذا فإن هذا التخيير ثبت فشله في كل حركات المقاومة المسلحة من قبل، وها هو يثبت نفسه على الأرض في غزة.
المسألة الرابعة، الاصرار على تهجير الفلسطينيين. فلم يتراجع مشروع التهجير لدى الإسرائيليين قيد أنملة، وأن عودة الحرب تؤكد على أنه هدف أصيل لدى المخطط الصهيوني بشأن غزة والضفة الغربية. بل كان واضحاً بأن الحكومة الإسرائيلية تريد العودة للعدوان على غزة لتنفيذ مخطط التهجير بالضغط على الأهالي بوضعهم تحت الحصار والتجويع والتعطيش والقصف. فضلاً عن اعتقاد اليمين الاسرائيلى المتطرف بأن الفرصة مواتية لتصفية القضية عبر تنفيذ مخطط التهجير، وأن المقاومة في حالة ضعف شديد، ولن تكون قادرة على إيذاء جنود إسرائيل كما في السابق. وأن حكومتهم تنهار مع الهدوء وتفعيل الهدنة ودخول مفاوضات المرحلة الثانية من الاتفاق وبذلك تنتهى أحلام القتلة والمجرمين وتفشل فى تحقيق أهداف الحرب، فلا تهجير للفلسطينيين قد تم، ولا انتصار ببقاء حماس على الأرض، ولا عودة كل المحتجزين، ولا نجاة لنتنياهو ومجموعته الا بمزيد من القتل فى غزة. ولهذا فإن التهجير الفلسطيني ثبت انه مشروع قائم ويجد له أعوان خارج إسرائيل بتأييد ترامب له واعلانه عن تنفيذه بقوة السلاح. ولهذا أصبح موضوع التهجير ورقة للضغط على الدول العربية وخصوصا مصر. بل بدأ تنفيذ هذا المخطط واضحا فى سلوك اسرائيل بعد قرار استئناف العدوان. فبغطاء أميركي، أعلنت بأنها لن تنسحب من القطاع، وأنه لا إعمار في المدى القريب، حتى تبدأ عمليات التهجير الطوعي وفق رؤية ترامب التهجيرية، وأنها تشترط الموافقة على من سيحكم أو من سيدير غزة، وأنها ستظل محتفظة بتواجد عسكري وأمني في القطاع، وأنها من يتحكم في إدخال المساعدات، مع رفض وجود السلطة الفلسطينية بأي شكل من الاشكال. وتعتقد أنها بمزيد من الضغط العسكري والقصف والتدمير والمجازر، واستمرار التشريد والتجويع والحصار ستنجح فى موضوع التهجير وتنتهى من القضية الفلسطينية للأبد.
وعلى هذا فإن عودة القصف على غزة، كان متوقعا. فمنذ اليوم الأول لبدء الهدنة والجميع يترقب هذا القصف الذى تنهار به اتفاقية الهدنة. ورغم محاولات مصر للتمسك بالهدنة، فإن مماطلة إسرائيل في مفاوضات المرحلة الثانية، وتحركات أمريكا منفردة، سعياً للإفراج عن الرعايا الامريكان الاسرى لدى فصائل المقاومة الفلسطينية، تؤكد على أن النية الإسرائيلية كانت مبيتة لعودة القصف مرة أخرى. فعودة القصف العنيف والمجازر إلى غزة، واغتيال عدد من قيادات حماس الميدانيين ومقتل واصابة أكثر من 1000 فلسطينى خلال ساعات معدودة، يؤكد على أن هدف الحرب تعدى مسألة إعادة الاسرى والتهجير القسري، الى أن يصبح التهجير الطوعي هو رغبة للناجين من هذه الحرب وهدفا لهم. فمخطط اسرائيل أنه مع استحالة الحياة فى هذا المكان، وتسويته بالأرض ومحاصرة الفلسطينيين في العراء، يصبح هذا الاختيار حلا مثاليا. ومع أن مصر ترفض هذا التهجير بنوعيه القسري والطوعي، إلا أن فرض المعادلة الاسرائيلية بهذا الشكل جعل المتحدث العسكري يخرج علنا ليؤكد على جاهزية الجيش المصري للتصدي لأى تحديات للحفاظ على الأمن القومى. ومعلنا ثبات موقف القيادة السياسية تجاه القضية الفلسطينية. وفى نفس الوقت تعلن مصر عن مبادرة بالدعوة لمؤتمر دولي لإعادة الإعمار برعاية مصر والأمم المتحدة في أبريل القادم. وكل ذلك بهدف التصدي لمخططات التهجير القسري وإعادة زمام المبادرة لعملية تفاوضية سلمية أفشلتها إسرائيل. فهل ستنجح المساعي المصرية العربية في وقف الحرب وتقبل إسرائيل بعودة الاتفاق لحالته الأولى وبمراحله الثلاث؟ أم أن إصرار إسرائيل على تنفيذ مخططاتها سيفضى الى مجازر أخرى مروعة واجبار على التهجير، وجر المنطقة لحرب حتمية لا فكاك منها ولا مهرب؟
د. أحمد عبد الدايم، أستاذ التاريخ السياسي والعلاقات الدولية بجامعة القاهرة