كتبت: هدير البحيري
لم يعد توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في شرق أوروبا مجرد خطوة دفاعية معلنة، بل أصبح أحد أبرز محاور الصراع الاستراتيجي بين روسيا والغرب، في ظل الحرب المستمرة على الأراضي الأوكرانية.
وفي هذا السياق، تبرز بلغاريا كحلقة جديدة في سلسلة التوتر المتصاعد، بعدما أثارت تحذيرات روسية من إنشاء قاعدة عسكرية جديدة للناتو مخاوف من اتساع نطاق المواجهة وإعادة تشكيل معادلات الأمن على الجناح الشرقي لأوروبا.
وحذر مدير الإدارة الأوروبية الثانية بوزارة الخارجية الروسية، يوري بيليبسون، من أن خطط حلف الناتو لإنشاء قاعدة عسكرية في بلغاريا تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الروسي، مؤكدًا أن موسكو تمتلك القدرة على الرد.
الموقف الروسي والتحذيرات الدبلوماسية
واعتبر المسؤول الروسي أن ما وصفه بـ"السياسة العدوانية للناتو" وتوسيع بنيته التحتية العسكرية قرب الحدود الروسية، لا سيما في دول أوروبا الشرقية، يعكس استعدادًا محتملًا لمواجهة عسكرية مع روسيا، وهو ما لا يمكن لموسكو تجاهله.
وأشار بيليبسون إلى أن بلاده، رغم امتلاكها خيارات "عسكرية وتقنية" للرد على أي تهديدات، لا تزال تفضل الحلول السياسية والدبلوماسية، مؤكدًا أن قنوات الحوار لا تزال مفتوحة، وإن كانت ـ بحسب وصفه ـ تفتقر إلى المعاملة بالمثل من الجانب الغربي.
وفي محاولة لإضفاء بعد قانوني على الموقف الروسي، استحضر بيليبسون معاهدة الصداقة والتعاون الموقعة بين موسكو وصوفيا عام 1992، والتي تنص على استبعاد استخدام القوة أو التهديد بها، وعدم السماح باستخدام أراضي أي من الطرفين لأعمال عدوانية ضد الآخر.
بلغاريا بين الناتو وروسيا
ورأى بيليبسون أن بلغاريا تخلت عمليًا عن هذه الالتزامات بعد تحولها إلى ما وصفه بـ"منطقة أمامية للناتو" على حدوده الشرقية.
وحمل المسؤول الروسي الغرب مسؤولية هذا التحول، معتبرًا أن السياسات الحالية "فرضت إلى حد بعيد على صوفيا"، مشيرًا إلى أن النظر إلى روسيا كخصم عسكري لا يخدم ـ من وجهة نظره ـ المصالح الوطنية البلغارية.
ولم يخل الخطاب الروسي من البعد التاريخي، إذ شدد بيليبسون على أن روسيا لم تكن يومًا مصدر تهديد لبلغاريا، مذكرًا بالدور الذي لعبته موسكو في تحريرها خلال الحرب الروسية–التركية أواخر القرن التاسع عشر، وكذلك في نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي محطات شكلت أساس العلاقات الودية بين البلدين لعقود.
قال الدكتور حسن سلام ، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، لـ"نافذة الشرق إن روسيا تنطلق من رؤية تعتبر دول الكتلة الشرقية السابقة، ومن بينها بلغاريا، جزءًا من مجالها الأمني التقليدي.
وبناءً على ذلك، ترى موسكو أن أي توسع لحلف شمال الأطلسي على حساب هذه الدول، سواء في بلغاريا أو بولندا أو غيرها، يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
وأوضح سلامة أن هذا التصور حاضر أيضًا في تفسير الصراع الدائر بين روسيا وأوكرانيا منذ عام 2022، باعتبار أن الأخيرة كانت ضمن نطاق الاتحاد السوفيتي السابق، وأن مساعي انضمامها إلى الناتو شكلت هاجسًا أمنيًا بالغ الحساسية بالنسبة لموسكو.
المنطق الغربي والدفاع عن الأمن الأوروبي
وأشار سلامة إلى أن تمدد الحلف في ما يعرف بـ"الجناح الشرقي" يتم تبريره غربيًا تحت دعاوى حماية الأمن الأوروبي، في ظل مخاوف من احتمال تطوير روسيا لقدراتها العسكرية أو شن هجوم واسع على أوروبا خلال السنوات المقبلة، وهي سيناريوهات جرى تداولها مؤخرًا في الخطاب السياسي الغربي.
وأضاف أن هذه التطورات من شأنها تهديد الاستقرار الإقليمي، إذ يسعى كل طرف إلى إثبات حضوره وفرض معادلاته، ما يفتح الباب أمام تصعيد متبادل وسباق تسلح متزايد، ينعكس في ارتفاع حجم الإنفاق العسكري على حساب مسارات التنمية.
وحذر سلامة من أن هذا التصعيد غير المرغوب فيه قد يمتد إلى العالم بأسره، مشيرًا إلى أن الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد يأخذ طابعًا أقرب إلى حرب عالمية ثالثة، وهو سيناريو ترى قوى دولية ضرورة تجنبه.
إدارة الصراع بين روسيا والناتو
في المقابل، استبعد سلامة حدوث مواجهة عسكرية مباشرة بين روسيا والناتو على خلفية الحديث عن إنشاء قاعدة عسكرية في بلغاريا، معتبرًا أن هذه التحركات تندرج في إطار إدارة الصراع بين الطرفين دون الوصول إلى مرحلة تصعيد فعلي على الأرض.
وأوضح أن روسيا وأوروبا ليستا في وضع يسمح بفتح جبهة عسكرية جديدة، في ظل حالة الاستنزاف التي فرضها الصراع الروسي–الأوكراني على الجانبين.
وأشار إلى أن هذا الواقع يشكل عائقًا مهمًا أمام أي تحرك عسكري مباشر، رغم استمرار اللغة التصعيدية ومحاولات إظهار القوة من كلا الطرفين، مستشهدًا بتصريحات بريطانية أكدت عدم الاستعداد لمواجهة عسكرية مع روسيا، مقابل تأكيد موسكو جاهزيتها لأي سيناريو محتمل.
الديناميكيات الدولية والتوازنات المتغيرة
شدد سلامة على أن الفارق يظل قائمًا بين الخطاب السياسي والممارسات الفعلية، مرجحًا ألا تترجم هذه التصريحات إلى أفعال على الأرض.
كما أشار إلى وجود تحيزات ومصالح متشابكة لدى أطراف عدة، في ظل تقارب روسي–صيني ملحوظ، مقابل تكتل أوروبي–أمريكي، مع التأكيد على أن هذه الاصطفافات تبقى خاضعة لمعادلات المصالح المتغيرة.
واختتم سلامة بالتأكيد على أن العلاقات الدولية لا تقوم على ثوابت مطلقة، إذ قد يتحول أعداء اليوم إلى شركاء الغد والعكس صحيح، مشيرًا إلى أن شكل العلاقة بين الأطراف المختلفة سيظل محكومًا بمصالح كل طرف، سواء كانت عسكرية تتعلق بحماية الأمن القومي، أو اقتصادية، أو سياسية.



