كتبت: علياء الهواري
قمة الضرورة في توقيت "حافة الهاوية"
في توقيت يوصف بالأكثر حساسية في تاريخ المنطقة الحديث، حيث تتصاعد نذر الحرب وتواجه منظومة الأمن القومي العربي اختبارات وجودية، جاءت القمة المصرية الأردنية لتتجاوز فكرة اللقاءات البروتوكولية، وتثبت مجددًا أن محور "القاهرة-عمّان" هو حجر الزاوية في استقرار الإقليم. وحسب الأستاذ الدكتور غالب عربيات، رئيس جمعية المؤرخين الأردنيين، فإن هذه العلاقات تتسم بالثبات العضوي والثقة المطلقة، وهي ليست وليدة اللحظة بل نتاج تاريخ طويل من التشاور المستمر، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي تشكل البوصلة الدائمة للقيادتين.
لا للتهجير: جدار صد مشترك ضد "تصفية القضية"
يؤكد الدكتور "عربيات" أن القمة حملت رسائل حاسمة موجهة لإسرائيل وللمجتمع الدولي، مفادها أن سيناريوهات "التهجير القسري" للفلسطينيين – سواء من غزة أو الضفة – هي "خط أحمر" يمس الأمن القومي المباشر لمصر والأردن، ولا يمكن التهاون معه. وأوضحت القمة أن الرفض القاطع للتهجير ليس مجرد موقف إنساني، بل هو تحرك استراتيجي لمنع تصفية القضية الفلسطينية ديموغرافيًا، وقطع الطريق على محاولات تحويل الصراع من قضية "تحرر وطني" إلى قضية "لاجئين" يتم تصديرها لدول الجوار. وتجلى الموقف الموحد في المطالبة بالوقف الفوري لإطلاق النار، وفتح المعابر لإنقاذ أكثر من مليوني إنسان، والبدء الفوري في مسارات التعافي وإعادة الإعمار.
حكمة الاعتدال: حل الدولتين كطوق نجاة وحيد
وفي قراءته للمسار السياسي، يشير الدكتور عربيات إلى أن القمة أعادت الاعتبار لـ "حل الدولتين" ليس كشعار، بل كضرورة حتمية للسلام الإقليمي. فالرؤية المصرية الأردنية تدرك أن أي بدائل أخرى – سواء الحكم الذاتي المنقوص أو إدارة الاحتلال الدائمة – هي وصفات لاستدامة الصراع لا إنهائه. ومن هنا، جاء التأكيد على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، باعتباره السبيل الوحيد لإعادة التوازن القانوني للصراع، وضمان الحد الأدنى من العدالة التاريخية، وتوفير الردع ضد أي انفجار مستقبلي يهدد استقرار دول الجوار.
شمولية المواجهة: الضفة الغربية في قلب الخطر
لم تكن غزة وحدها الحاضرة، بل امتدت الرؤية الاستراتيجية للقمة لتشمل الضفة الغربية، محذرة من أن انفجار الأوضاع هناك جراء الانتهاكات المستمرة قد ينسف أي تهدئة في القطاع. ويرى "عربيات" أن القيادتين تدركان ترابط الساحات، وأن أي شرارة في الضفة قد تشعل الإقليم بأسره. لذا، ركزت القمة على ضرورة خفض التصعيد الشامل، وتوفير الردع الدبلوماسي والسياسي لحماية المدنيين، وتقديم نموذج "اعتدال القوة" الذي يتمسك بالحقوق دون الانزلاق إلى فوضى شاملة.
العوائد الاقتصادية: حين تخدم السياسة رفاهية المواطن
بعيدًا عن الغرف السياسية المغلقة، لفت التقرير إلى أن تفعيل "اللجنة العليا المشتركة" بين البلدين يحمل مكاسب مباشرة للمواطن في مصر والأردن. فتنسيق المواقف السياسية يمهد الطريق لشراكات اقتصادية في مجالات الطاقة، والنقل، والصناعة، والسياحة البينية، مما يساهم في خلق فرص عمل، واستقرار أسعار السلع، وتعزيز أمن الطاقة. هذا التكامل الاقتصادي يعزز من صمود الجبهة الداخلية في البلدين، ويمنحهما قوة تفاوضية أكبر في مواجهة الضغوط الخارجية.
نواة لموقف عربي صلب
يختتم الدكتور غالب عربيات رؤيته بالتأكيد على أن القمة المصرية الأردنية تتجاوز حدود البلدين لتشكل "نواة صلبة" لموقف عربي أوسع. فهي رسالة بأن "الاعتدال العربي" قادر على إنتاج مبادرات عملية تحفظ الأمن، وأن التنسيق بين القاهرة وعمّان يوفر قناة موثوقة لإدارة الأزمات بدلًا من تركها للانفلات. إنها دعوة مفتوحة لباقي الدول العربية للانخراط في هذا المسار لتعزيز العمل المشترك، وحماية الأمن القومي العربي من الأخطار المحدقة، مؤكدة أن فلسطين ستظل قضية العرب المركزية التي لا تسقط بالتقادم ولا تُلغى بمنطق القوة.



