جرينلاند 2026: عندما تتحول الجغرافيا إلى ساحة صراع بين واشنطن وأوروبا

كتبت: هدير البحيري

في أقصى شمال العالم، حيث يذوب الجليد ويفتح الطريق أمام ممرات بحرية جديدة، تتحول جرينلاند من جزيرة صامتة إلى ساحة صراع عالمي.
هناك، تتنافس الولايات المتحدة وروسيا والصين على مواردها وموقعها الاستراتيجي، بينما تحاول أوروبا وحلف الناتو الحفاظ على ما تبقى من نفوذهم في القطب الشمالي.

جرينلاند: الجغرافيا والديموغرافيا وأهميتها الاستراتيجية

ومع تصاعد هذا التنافس الدولي، يصبح فهم الجغرافيا الأساسية لجرينلاند خطوة ضرورية لتفسير سبب هذا الاهتمام المتزايد.
فالجزيرة التي تبدو بعيدة ومعزولة تمتلك خصائص جغرافية تجعلها محورًا لا يمكن تجاهله في حسابات القوى الكبرى.
تقع جرينلاند في القطب الشمالي بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وتعد أكبر جزيرة في العالم بمساحة تصل إلى نحو 2.2 مليون كيلومتر مربع، أي ستة أضعاف حجم ألمانيا.
ويعيش فيها حوالي 56 ألف نسمة، معظمهم من السكان الأصليين الإينويت، وتتركز الغالبية على الساحل الجنوبي الغربي قرب العاصمة نوك، بينما يغطي الجليد نحو 80% من الجزيرة.
وعلى المستوى الاقتصادي، تعتمد جرينلاند على صيد الأسماك، مع دعم مالي كبير من الحكومة الدنماركية.
ومع تغير المناخ وذوبان الجليد، ارتفع الاهتمام بالموارد الطبيعية في الجزيرة، بما في ذلك المعادن النادرة مثل النيكل والحديد واليورانيوم، إضافة إلى النفط والغاز الطبيعي، ما يجعلها نقطة جذب اقتصادي واستراتيجي لدول العالم الكبرى.

جرينلاند: تاريخ السيادة الدنماركية ورفض الطموح الأمريكي

لكن أهمية جرينلاند ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى تاريخ طويل من السيادة الدنماركية والصراع على النفوذ.
ورغم موقعها الجغرافي قرب أمريكا الشمالية، ظلت جرينلاند تحت سيادة الدنمارك لأكثر من 300 عام.
فبعد الاحتلال النازي للدنمارك خلال الحرب العالمية الثانية، عززت الولايات المتحدة تواجدها العسكري في الجزيرة ووقعت اتفاقيات دفاعية مع كوبنهاجن لحماية المنطقة، بما في ذلك بناء قواعد عسكرية.
وفي 1953، أصبحت جرينلاند جزءًا رسميًا من المملكة الدنماركية، وحصل سكانها على الجنسية الدنماركية.
وفي 1979، حصلت على حكم ذاتي موسع، مع استمرار الدنمارك في إدارة الدفاع والسياسة الخارجية.
هذا التوازن بين الحكم الذاتي والنفوذ الدنماركي يوضح سبب رفض كوبنهاجن وأوروبا أي محاولات أمريكية للسيطرة على الجزيرة.

الوجود الأمريكي في القطب الشمالي: حماية أم نفوذ؟

ويعود الاهتمام الأمريكي بجرينلاند إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أظهرت الولايات المتحدة أهمية الجزيرة في الأمن عبر الأطلسي، وعززت حضورها العسكري عبر اتفاق عام 1951 يسمح بإنشاء قواعد جوية وتشغيل أنظمة مراقبة وصواريخ إنذار مبكر.
وكانت أول محاولة أمريكية للسيطرة المباشرة على الجزيرة في عام 1946، حين عرضت واشنطن شراءها مقابل 100 مليون دولار، لكن الدنمارك رفضت العرض.
ومنذ ذلك الحين، واصلت الولايات المتحدة تعزيز وجودها العسكري والبحثي في الجزيرة بالتنسيق مع كوبنهاجن، بينما احتفظت جرينلاند بإدارة شؤونها الداخلية في إطار الحكم الذاتي.

لكن هذا الوجود لم يبق في حدود التعاون الدفاعي التقليدي، بل تحول إلى ملف حساس في توازنات الناتو ومسألة السيادة الأوروبية، خاصة بعد التصريحات العلنية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول شراء الجزيرة أو تعزيز السيطرة عليها، وهي تصريحات اعتبرتها الدنمارك وحلفاؤها الأوروبيون تجاوزًا لـ"خط أحمر سياسي".

موقف الدنمارك وحلفاء الناتو

ومع تصاعد الخطاب الأمريكي الداعي إلى تعزيز السيطرة على الجزيرة، بدأت العواصم الأوروبية تعيد تقييم تداعيات هذا التوجه على أمنها وسيادتها، الأمر الذي فتح الباب أمام أزمة سياسية داخل حلف الناتو.
وتكشف أزمة جرينلاند عن عمق التعقيدات في العلاقات عبر الأطلسي، حيث تتداخل اعتبارات السيادة الوطنية مع المصالح الاستراتيجية الكبرى.
ولم يكن رفض الدنمارك وحلفائها الأوروبيين لمحاولات الولايات المتحدة شراء الجزيرة مجرد موقف دبلوماسي، بل رسالة واضحة بأن أي تدخل خارجي في جرينلاند يمثل اختبارًا لقدرة الناتو على الموازنة بين الأمن الجماعي واحترام سيادة أعضائه.

ورغم أن جرينلاند لا تمتلك جيشًا مستقلًا ولا عضوية رسمية في الحلف، فإن موقعها الجغرافي الاستراتيجي يجعل النفوذ الدنماركي فيها جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الأطلسي.
ولهذا، فإن أي تحرك أمريكي خارج الإطار الدنماركي الرسمي يثير قلقًا أوروبيًا من احتمال تصاعد التوترات وتقويض الثقة في التزام واشنطن تجاه التحالف.

وجاءت ردود الفعل الأوروبية موحدة وحازمة؛ إذ شددت رئيسة وزراء الدنمارك، ميت فريدريكسن، على أن "أوروبا لن تبتز"، فيما رأى قادة أوروبيون آخرون أن التحركات الأمريكية تهدد تماسك التحالف.
وتعكس هذه المواقف مخاوف حقيقية من أن الضغوط الاقتصادية والسياسية قد تدفع نحو توترات غير مرغوبة، ما يستدعي تعزيز الحضور الأوروبي عبر خطوات دبلوماسية وعسكرية مدروسة، من بينها تنظيم تدريبات أمنية مشتركة واقتراح توسيع دور الناتو في عمليات المراقبة داخل الجزيرة.

سكان جرينلاند ورفض التدخلات الخارجية

لكن الصراع في جرينلاند لا يقتصر على الحكومات وحدها، فالسكان المحليون باتوا طرفًا محوريًا في رسم مستقبل الجزيرة.
وقد عبر الجرينلانديون بوضوح عن رفضهم لأي سيطرة أمريكية محتملة؛ إذ وصف رئيس وزراء جرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، فكرة شراء الولايات المتحدة للجزيرة بأنها "خيال"، مؤكدًا أن حكومته لن تقبل بأي تدخل خارجي في شؤونها.
كما أظهرت استطلاعات الرأي دعمًا واسعًا بين السكان لخيار الاستقلال عن الدنمارك، بالتوازي مع رفض قاطع لأي ارتباط سياسي بالولايات المتحدة، وهو موقف ظهر بوضوح في مظاهرات حاشدة داخل الجزيرة وخارجها.

جرينلاند: اختبار جديد للعلاقة بين واشنطن وأوروبا

ومن الولايات المتحدة، يقول الكاتب والصحفي المتخصص في الشؤون الأمريكية محمد ماهر، في حديث خاص لـ"نافذة الشرق" إن الاهتمام العالمي المتزايد بجرينلاند لا يعود إلى عامل واحد، بل إلى تداخل جغرافي–مناخي–أمني فرض الجزيرة فجأة في قلب معادلات السياسة الدولية.
ويوضح ماهر أن التغيرات المناخية المتسارعة في القطب الشمالي، بحسب تقديرات وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، أدت إلى تراجع الغطاء الجليدي البحري، ما فتح ممرات ملاحية جديدة مثل "الطريق البحري الشمالي"، وخلق مسارات أقصر تربط آسيا بأوروبا وأمريكا الشمالية، وهو ما يغير مستقبل التجارة العالمية.

ويضيف ماهر أن جرينلاند، بصفتها أكبر جزيرة في العالم وتقع جغرافيًا بين أوروبا وأمريكا الشمالية، تحولت إلى نقطة ارتكاز استراتيجية تمنح من يسيطر عليها قدرة عالية على المراقبة والتحكم في حركة السفن مستقبلًا، فضلًا عن دورها الحاسم في منظومات الإنذار المبكر، خاصة مع وجود قاعدة بيتوفيك (ثول)، التي تعتمد عليها واشنطن في رصد الصواريخ العابرة للقارات ومراقبة الفضاء.

وفيما يتعلق بطبيعة الوجود العسكري الأمريكي، يؤكد ماهر أن هذا الوجود ليس جديدًا من حيث المبدأ، إذ تعود القاعدة الأمريكية في جرينلاند إلى عقود مضت، لكنه بات اليوم أكثر حساسية سياسيًا.
ويرى ماهر أن التحول الجوهري يتمثل في ربط الإدارة الأمريكية هذا الوجود بخطاب علني يتحدث عن "السيطرة" على الجزيرة، في سياق المنافسة الاستراتيجية مع روسيا والصين.
ويضيف أن المهام التي تؤديها القاعدة، من إنذار صاروخي ودفاع صاروخي ومراقبة فضائية، تجعلها بنظر الكثيرين أبعد من مجرد تعاون دفاعي تقليدي مع الدنمارك.

وحول احتمالات عسكرة القطب الشمالي، يحذر ماهر من أن أي زيادة في نشر الأسلحة أو توسيع القواعد العسكرية في جرينلاند قد تفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي.
ويوضح أن روسيا ستنظر إلى أي تعزيزات أمريكية كتهديد مباشر يستوجب الرد، وربما تسعى الصين بدورها إلى توسيع حضورها غير العسكري تمهيدًا لأدوار أكبر مستقبلًا، في منطقة تشهد أصلًا تصاعدًا في الطابع العسكري.
كما يشير إلى أن بعض الدول الأوروبية عبرت بالفعل عن مخاوفها من الانزلاق إلى هذا السيناريو.

أما عن قدرة الاتحاد الأوروبي على حماية جرينلاند، فيرى ماهر أن النفوذ الأوروبي يظل محدودًا عسكريًا.
ويقول إن الدنمارك لا تمتلك، بمفردها، القدرة على الدفاع عن الجزيرة في حال نشوب صراع كبير، كما أن فكرة مواجهة عسكرية داخل حلف الناتو نفسه تظل شبه مستحيلة.
ويذكر بتصريحات ترامب الساخرة سابقًا من ضعف الدفاعات الدنماركية في الجزيرة، في إشارة إلى اختلال ميزان القوة.
في المقابل، يلفت ماهر إلى أن أوروبا قد تمتلك أوراق ضغط اقتصادية، مع حديث متزايد عن حزم أوروبية لتعزيز أمن القطب الشمالي تشمل الاستثمار في البنية التحتية وكاسحات الجليد ودعم التنمية في جرينلاند.

وفي ما يخص إمكانية تحرك أوروبي مستقل في الجزيرة، يؤكد ماهر أن هذا السيناريو شديد التعقيد، لأن أي تحرك خارج الإطار الأمريكي قد يفسر ضمنيًا على أنه تحدٍ لواشنطن، وهو ما لا ترغب فيه العواصم الأوروبية.
ويعتبر أن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في العمل عبر الدنمارك، وتحت مظلة الناتو، مع توظيف أدوات الاتحاد الأوروبي الاقتصادية والاستثمارية لتفادي صدام مباشر مع الولايات المتحدة.

ولا يستبعد ماهر أن تتحول جرينلاند إلى هدف عسكري محتمل في حال تصاعد التوتر مع روسيا، موضحًا أن وجود رادارات الإنذار المبكر ومنظومات الدفاع الصاروخي يجعل الجزيرة عقدة استراتيجية في أي سيناريو صدام واسع، وبالتالي حاضرة على "قائمة الاهتمام" العسكرية.
ويشير إلى أن روسيا تمتلك بالفعل وجودًا عسكريًا كثيفًا في القطب الشمالي، يشمل قدرات نووية، ما يضاعف من حساسية المنطقة.
وفي ختام حديثه، يوضح ماهر أن أي تصعيد في جرينلاند قد يصب في مصلحة خصوم الغرب. فروسيا، بحسب تعبيره، ستستفيد من تعميق الشرخ داخل الناتو وإبراز تضارب الأولويات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، وهو ما يضعف الجبهة الغربية في وقت تخوض فيه موسكو حربًا مفتوحة في أوكرانيا.
أما الصين، فيمكنها استغلال انشغال الغرب بالأزمة لتعزيز حضورها الاقتصادي والبحثي واللوجستي في القطب الشمالي، وترسيخ سرديتها حول تراجع تماسك المعسكر الغربي.