كتبت: هدير البحيري
شهدت الدورة الـ56 للمنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس 2026 حضورًا مصريًا لافتًا حمل رسائل سياسية واقتصادية تتجاوز الطابع البروتوكولي المعتاد، وتعكس مرحلة جديدة من إعادة التموضع الإقليمي والدولي.
وجاءت المشاركة المصرية في توقيت بالغ الحساسية، وسط تصاعد التوترات بين القوى الكبرى واستمرار الحرب في أوكرانيا، وتداعيات الحرب في غزة، ما جعل المنتدى منصة مركزية لإعادة قراءة موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية.
وانعقدت فعاليات المنتدى بين 19 و23 يناير بمشاركة نحو 3 آلاف من قادة الحكومات والشركات العالمية، في دورة اتسمت بحدة الاستقطاب الدولي، خصوصًا مع حضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على رأس أكبر وفد أمريكي في تاريخ المنتدى، مقابل تمثيل أوروبي واسع للدفاع عن التعددية والتجارة الحرة.
ملفات مصر في دافوس: رؤية اقتصادية وسياسية متكاملة
وقدم الوفد المصري أجندة استراتيجية تعكس أولويات الدولة في المرحلة الحالية، بدءًا من تعزيز الاستثمار مرورًا بالطاقة والأمن الغذائي وصولًا إلى التحول الرقمي.
وركزت القاهرة على إبراز الفرص الاستثمارية في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا المالية والسياحة، مع التأكيد على الإصلاحات الاقتصادية التي عززت ثقة المؤسسات الدولية.
كما احتل ملف الطاقة والتحول الأخضر مساحة بارزة في الحضور المصري، من خلال الترويج لمشروعات الهيدروجين الأخضر والتوسع في الطاقة المتجددة والربط الكهربائي الإقليمي، وهي ملفات تحظى باهتمام عالمي متزايد.
وفي ظل الاضطرابات الجيوسياسية، شددت مصر على ضرورة تعزيز التعاون لضمان استقرار سلاسل الإمداد ودعم الدول النامية في مواجهة تحديات الأمن الغذائي.
وعرضت القاهرة تجربتها في التحول الرقمي وتطوير البنية التكنولوجية وتوسيع خدمات الحكومة الإلكترونية، مع إبراز دور الشباب والشركات الناشئة في بناء اقتصاد معرفي قادر على المنافسة. كما شهدت المشاركة المصرية سلسلة لقاءات ثنائية مع مؤسسات مالية وشركات عالمية لتعزيز الشراكات في مجالات الاستثمار والتمويل والطاقة.
وفي هذا السياق، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الدكتور حسن سلامة، في حوار خاص لـ"نافذة الشرق" إن المشاركة المصرية في منتدى دافوس الاقتصادي هذه المرة كانت مشاركة مختلفة بامتياز.
وأوضح أن ذلك يظهر أولًا من حيث الدعوة، حيث تعكس دعوة مصر للمشاركة عدة أمور، أولها ثقلها الإقليمي كركيزة مهمة في إدارة ملفات شديدة التعقيد في المنطقة.
وأضاف أن التجربة الاقتصادية المصرية ناجحة أيضًا، مشيرًا إلى أن تقييم مجتمع الأعمال المشارك في المنتدى للتحركات الاقتصادية المصرية كان إيجابيًا، ومن هنا جاءت الدعوة لحضور وفد ممثل عن الدولة المصرية، وهو ما انعكس في تمثيل الوفد بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي وضم شخصيات متنوعة بين المجال السياسي والاقتصادي والأمني.
وأشار سلامة إلى أن الاقتصاد والاستثمار لا يمكن فصلهما عن الترتيبات الأمنية والسياسية، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط التي تموج بتغيرات وصراعات متعددة.
وأكد أن الرؤية المصرية تقوم على التشابك بين المجالات المختلفة لصالح الأمن القومي، حيث يعتبر دعم الاقتصاد والاستقلال الوطني، والحفاظ على البعد الأمني مكونات أساسية للأمن القومي المصري.
وأضاف سلامة أن المشاركة المصرية كانت متنوعة لأنها جاءت في فترة حساسة من تاريخ العالم، مع ظهور مؤشرات على تغير محتمل لنظام عالمي مختلف عن النظام المعتاد لأكثر من سبعين عامًا، بالإضافة إلى قضايا سياسية وأمنية تطغى على مضمون المنتدى الاقتصادي. ومن ثم، كان لابد أن يكون تمثيل الوفد المصري بهذا الشكل المتكامل.
وتطرق سلامة إلى كلمة الرئيس السيسي في المنتدى، واصفًا إياها بأنها "كلمة شاملة ووافرة"، موجهة لجميع الأطراف، سواء لمجتمع الأعمال حيث أشار السيسي إلى الإنجازات الاقتصادية والبنية التحتية والتشريعات وفرص الاستثمار الجاذبة في مصر، مؤكدًا على أن الأمن والأمان يمثلان الأساس لدعم أي استثمار أجنبي وتحفيزه.
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن فكرة المشاركة العالمية في مواجهة التحديات الاقتصادية لا تتحقق إلا إذا تحقق السلام والاستقرار في العالم.
ومن هنا، تدخل بؤر التوتر المختلفة في المنطقة، وعلى رأسها ملف قطاع غزة واستمرار العدوان الإسرائيلي، حيث تقود مصر تحركات إقليمية ودولية لإحلال السلام في القطاع، والخروج من مربع العدوان إلى مربع سياسي، مع الالتزام بتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي تم توقيعه في شرم الشيخ بحضور المجتمع الدولي.
وأكد سلامة أن الربط بين الاقتصاد والتنمية من ناحية، والترتيبات السياسية والأمنية من ناحية أخرى، وتحقيق الاستقرار كمرتكز أساسي لدعم الاقتصادات الإقليمية والدولية، يعكس الرؤية المصرية الواضحة في هذا الإطار.
أكد سلامة أن ردود الفعل داخل المنتدى، من إشادة الرئيس الأمريكي للرئيس السيسي ووصفه بأنه قائد عظيم، إلى ترحيب مجتمع الأعمال الدولي بمشاركة مصر ووفدها، تبرز تقديرًا دوليًا لدور مصر في المنطقة وجهودها الحكومية والسياسية، مشيرًا إلى أن لقاء السيسي مع ترامب كان من أبرز نجاحات المنتدى، إذ يظهر احترام الإدارة الأمريكية للرؤية المصرية وقدرة القيادة على إدارة الملفات المعقدة بدبلوماسية هادئة ومحكمة وفرض رؤيتها بشكل متوازن.
وفي السياق ذاته، قال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد أنيس إن منتدى دافوس يظل المنصة الاقتصادية الأهم عالميًا، ليس فقط بسبب تاريخه الممتد منذ السبعينيات، بل لأنه يجمع في مكان واحد أعلى مستويات السلطة التنفيذية في الدول، إلى جانب كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركات العالمية.
وأشار أنيس في حديثه لـ"نافذة الشرق" إلى أن هذا المزيج الفريد يمنح المنتدى وزنًا استثنائيًا، إذ يخلق مساحة نادرة للحوار بين صناع القرار السياسي والاقتصادي، وهو ما لا يتوافر عادة في المؤتمرات المتخصصة التي تركز إما على الاقتصاد الكلي أو على قطاع الأعمال فقط.
وبحسب أنيس، فإن قوة المنتدى تكمن في امتلاكه أربع سمات رئيسية: حضور القيادات التنفيذية في الدول، وحضور القيادات التنفيذية في الشركات الكبرى، وطرح ملفات الاقتصاد الكلي المتعلقة بالدول، إلى جانب مناقشة اقتصاديات الشركات والقطاع الخاص.
هذا التنوع، كما يوضح، يجعل دافوس أعلى تجمع اقتصادي سنوي من حيث التأثير، لأنه يتيح خلق تفاهمات وتوافقات بين الحكومات والشركات العالمية، بما ينعكس على حركة الاستثمار والتجارة الدولية.
وأكد أنيس أن طبيعة المنتدى، القائمة على النقاشات المفتوحة والمباشرة، تمنح المشاركين مساحة واسعة للمصارحة وتبادل الرؤى، وهو ما يعزز فرص بناء تفاهمات حقيقية بين الأطراف المختلفة.
ويرى أنيس أن وجود الرئيس السيسي هذا العام يحمل أهمية خاصة، لأن تمثيل مصر بأعلى سلطة في الدولة يفتح أمامها مجالًا أوسع للتواصل مع الرؤساء التنفيذيين للشركات العالمية، ويزيد من فرص جذب جزء من التدفقات الاستثمارية الدولية التي تتنقل سنويًا بحثًا عن بيئات اقتصادية مستقرة وقادرة على استيعابها.
وأشار أنيس إلى أن هذه الاستثمارات—التي تقدر بتريليونات الدولارات—تبحث دائمًا عن أسواق تتوافق مع متطلباتها من حيث الاستقرار والفرص المتاحة، وهو ما يجعل حضور مصر في دافوس خطوة إيجابية، لأنها تمنح القاهرة فرصة لعرض رؤيتها الاقتصادية مباشرة أمام صناع القرار العالميين، وتعزيز موقعها ضمن خريطة الاستثمار الدولي.
ومن هنا تبرز أهمية المشاركة المصرية في دافوس، وحرص القاهرة على التواجد بأعلى مستوى تمثيل، باعتباره منصة نادرة تتيح لها عرض رؤيتها الاقتصادية مباشرة أمام صناع القرار العالميين، وزيادة فرص جذب جزء من التدفقات الاستثمارية الدولية.
وفي هذا الإطار، لم تقتصر أهمية المشاركة على البعد الرمزي أو السياسي، بل امتدت إلى مكاسب اقتصادية مباشرة، تمثلت في تعزيز ثقة المؤسسات الدولية في الاقتصاد المصري، وفتح قنوات تفاوض مع شركات عالمية ومؤسسات تمويل دولية، إلى جانب الترويج لحزمة من الفرص الاستثمارية في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والبنية التحتية والصناعة.
وتشير تقديرات أولية إلى أن لقاءات دافوس أسهمت في الترويج لفرص استثمارية تتراوح بين 15 و20 مليار دولار، ودعم هدف رفع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى نحو 30 مليار دولار سنويًا، فضلًا عن تحسين النظرة المستقبلية للاقتصاد المصري وخفض تكلفة الاقتراض الخارجي.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور سمير رؤوف أن التحولات التي شهدها الاقتصاد المصري خلال العقد الأخير تمثل أحد أهم المرتكزات التي تعتمد عليها القاهرة في إبراز حضورها الاقتصادي على الساحة الدولية.
وأوضح رؤوف في حديثه لـ "نافذة الشرق" إلى أن مصر استطاعت أن تعود بقوة عبر مسارات متعددة، إلا أن قطاع الطاقة كان العامل الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي، بعدما تحول من نقطة ضعف بعد عام 2010 إلى محرك رئيسي لجذب الاستثمارات وتحقيق الاستقرار.
وبحسب رؤوف، فإن برنامج الإصلاح الاقتصادي، بدءًا من التعاون مع صندوق النقد الدولي وصولاً إلى قرارات التعويم، أحدث "هزة ضرورية" في بنية الاقتصاد، لكنها فتحت الباب أمام تحسن ملموس في المؤشرات الكلية.
ويعتبر أن ارتفاع معدلات السياحة وتوسع المناطق الاقتصادية كانا من أبرز نتائج هذا التحول، وهو ما ساعد مصر على تقديم نفسها كمركز صناعي صاعد، خصوصًا في صناعة الهواتف المحمولة التي أصبحت مصر ثالث أكبر مركز لإنتاجها بعد كوريا الجنوبية وفيتنام، مع دخول شركات عالمية مثل سامسونج وLG.
ويضيف رؤوف أن هذا التحول لم يقتصر على التكنولوجيا، بل امتد إلى قطاع السيارات وصناعات التجميع، مستفيدًا من بنية تحتية ضخمة وتدفقات من التمويل البنكي والاستثمارات الأجنبية المباشرة.
ويرى أن هذا التوسع الصناعي ترافق مع صعود مصر كمصدر مهم للسلع الغذائية، إلى جانب دورها المتنامي في قطاع الطاقة، خاصة مع مشروع محطة الضبعة النووية الذي يعزز موقعها كلاعب محوري في تصدير الطاقة إلى أوروبا.
وأكد رؤوف أن مصر باتت اليوم مركزًا لوجستيًا للغاز في المنطقة، حيث تستقبل الغاز العربي وتعيد معالجته وتصديره، ما يمنحها قيمة مضافة استراتيجية.
وأشار إلى أن الاقتصاد المصري يقوم حاليًا على ثلاثة قطاعات رئيسية: الزراعة، والصناعات التعدينية والطاقة والبترول، وصناعات التكنولوجيا، وهي قطاعات يرى أنها تتيح توسعًا صناعيًا أفقيًا يشمل تصنيع السيارات الثقيلة والآلات، إضافة إلى الصناعات المغذية مثل الأسمدة والبتروكيماويات والحديد والصلب.
واعتبر رؤوف أن دخول مصر في تصنيع عربات القطارات يمثل خطوة مهمة في مسار توطين الصناعة، رغم استمرار استيراد الجرارات من الخارج. لكنه يرى أن هذا التطور يمكن البناء عليه للوصول خلال السنوات العشر المقبلة إلى تصنيع طائرة كاملة أو نصف طائرة بالشراكة مع شركات أوروبية، مع توطين الصناعات المغذية اللازمة لذلك.
وشدد رؤوف على أن الاستقرار الأمني كان العامل الحاسم الذي سمح بانطلاق هذه المشروعات، ومهد لمرحلة جديدة من النمو الاقتصادي.
واختتم رؤوف حديثه بالتأكيد على أن ما قدمته مصر في المنتدى الاقتصادي الأخير يعكس حجم التحول الذي يشهده الاقتصاد، ومحاولة القاهرة تقديم نموذج اقتصادي قادر على جذب الاستثمارات وتوسيع دوره الإقليمي في الطاقة والصناعة.



