شمال سوريا على صفيح ساخن: من سينتصر في صراع النفوذ والصفقات الإقليمية؟

كتبت: هدير البحيري

تصاعدت وتيرة الاشتباكات في مدينة حلب خلال الأيام الأخيرة، لتكشف مجددًا عمق المأزق القائم بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، في لحظة يفترض أنها انتقالية بعد أكثر من 14 عامًا من الحرب.
الاشتباكات التي اندلعت في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية شمال المدينة، وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين ونزوح محدود للسكان وإغلاق طرق حيوية، لم تكن مجرد حادث أمني عابر، بل عكست هشاشة المسار التفاوضي القائم بين الطرفين، وحدود الاتفاقات غير المحسومة.

في جوهر هذه التوترات يبرز ملف دمج "قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية الجديدة، وهو الملف الذي يشكل حجر الزاوية في اتفاق 10 مارس، والذي ينص نظريًا على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية ضمن هياكل الدولة.
غير أن التطبيق العملي للأتفاق يصطدم بخلافات بنيوية تتجاوز التفاصيل التقنية إلى تصادم في الرؤى حول شكل الدولة نفسها.

فعلى المستوى العسكري والأمني، ترى دمشق أن أي دمج حقيقي يمر عبر حل تشكيلات "قسد" وإعادة هيكلتها ضمن الجيش السوري، عبر تشكيل ثلاث فرق عسكرية تخضع لقيادة مركزية، مع احتفاظ الدولة بحق تعيين القيادات العليا.
وفي المقابل، تصر "قسد" على الدخول في عملية الدمج ككتلة واحدة، معتبرة أن تفكيك بنيتها الحالية يقوض دورها ونفوذها، وتطالب بالاحتفاظ بحق اختيار القيادات، وضم وحدات حماية المرأة ضمن لواء مستقل، إضافة إلى تعيين نائب لوزير الدفاع من صفوفها، وهو ما تعتبره دمشق تجاوزًا لسيادتها العسكرية.

ولا تقل الخلافات الإدارية تعقيدًا عن نظيرتها العسكرية. فالحكومة السورية تسعى إلى دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن وزارات الدولة، مع منحها صلاحيات محدودة في إطار مركزي، بينما تتمسك "قسد" بنموذج لامركزية سياسية ذات غطاء دستوري، يسمح لها بالحفاظ على مؤسساتها المدنية وقوى الأمن الداخلي، وإدارة التعليم باللغة الكردية، والمشاركة في إدارة المعابر والمطار، إلى جانب المطالبة بحصة من عائدات النفط.
إلى جانب ذلك، تفرض الملفات الإقليمية وملف المهجرين نفسها كعوامل تفجير إضافية. فرغم أن الاتفاق يؤكد رفض التقسيم ودعم الدولة في مواجهة فلول النظام السابق، تتهم دمشق "قسد" بضم ضباط سابقين ودعم تشكيلات محلية في السويداء، وهي اتهامات تنفيها الأخيرة، مؤكدة أن تحركاتها جاءت في إطار حماية المدنيين وضمان مشاركة جميع المكونات في أي تسوية شاملة.
ويظل ملف عودة المهجرين، ولا سيما نحو 100 ألف من أهالي عفرين، نقطة خلاف محورية، حيث تطالب "قسد" بحسمه سريعًا، بينما تربطه الحكومة بإجراءات أمنية وإدارية أوسع، ويتبادل الطرفان الاتهامات بعمليات تهجير مضادة.

وتزداد الصورة تعقيدًا مع الملفات الأمنية الحساسة، وعلى رأسها سجون ومخيمات عناصر تنظيم "داعش"، الإرهابي التي تمثل عبئًا أمنيًا وسياسيًا على الطرفين.
فبينما تتمسك "قسد" بإدارة هذه السجون بحجة امتلاك الخبرة والقدرة الميدانية، تبدي الحكومة استعدادها لتولي الملف بالكامل، معتبرة أن حصر السيطرة بيد الدولة شرط أساسي للاستقرار، في ظل دعم دولي وأمريكي معلن لهذا التوجه.
ورغم أن الاتفاق حدد نهاية عام 2025 كمهلة مبدئية لتنفيذ بنوده، يتبادل الطرفان الاتهامات بالمماطلة.
ترى دمشق أن "قسد" تستخدم الوقت لتكريس أمر واقع، بينما تعتبر الأخيرة أن حجم وتعقيد الملفات يتطلبان مسارًا أطول وتفاهمات أعمق.
وبين هذين الموقفين، تبدو الاشتباكات في حلب مؤشرًا على أن الخلاف لم يعد محصورًا في غرف التفاوض، بل بات مرشحًا للعودة إلى الميدان كلما تعثرت السياسة.
وفي هذا الإطار، وصف الدكتور إياس الخطيب، الخبير في العلاقات الدولية، التصعيد الأخير في حلب بأنه مؤشر واضح على فشل المسار التفاوضي الأخير.
وقال الخطيب في حديث خاص لـ"نافذة الشرق" إن الاتفاقيات السابقة كانت مجرد محاولات لشراء الوقت، دون أي نية حقيقية للوصول إلى حل سياسي جاد أو بناء مسار سلمي قابل للتطبيق.
وأكد أن هذا التصعيد لم يكن مفاجئًا، خصوصًا بعد أكثر من عشرة أشهر على توقيع اتفاق بقي عمليًا حبرًا على ورق.

وأوضح الخطيب أن أبرز أسباب الفشل تكمن في استحالة تحقيق اندماج فعلي بين "قسد" وقوات الجيش السوري، بسبب التباين الجوهري في الأيديولوجيات والتوجهات، إضافة إلى ارتباط بعض الفصائل بأجهزة استخبارات خارجية تعمل وفق مصالح الدول عند الحاجة.
وأضاف أن أزمة الثقة بين الأطراف بلغت حد الانعدام، خاصة بعد الأحداث الدامية التي شهدها الساحل السوري ومحافظة السويداء، والتي ارتقت بعضها إلى مستوى جرائم حرب.

وأشار الخطيب إلى أن الإعلان الدستوري الصادر عن الإدارة السورية الجديدة عزز الانقسام، مستبعدًا غالبية شرائح المجتمع السوري، والتي جرى توصيفها لاحقًا بـ"الأقليات السورية"، رغم دورها التاريخي في تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي.
وأوضح الخطيب أن الإعلان الدستوري خيب آمال السوريين، وأدى إلى إجراءات عززت نهج الإقصاء، أبرزها إنشاء مجلس شعب لا يعكس الإرادة الحقيقية للشعب، مع رفض عدة محافظات المشاركة في الانتخابات، ما أدى إلى زيادة الفجوة بين السلطة والمجتمع.
وأضاف أن هذه السياسات جعلت شريحة واسعة من السوريين هدفًا للقصف الإعلامي والعسكري، مؤكدًا أن صوت الرصاص أصبح أعلى من صوت الحوار، وأن الاتفاقيات غالبًا ما تتحول إلى أوراق بلا قيمة، في وقت يواصل فيه النزيف الدموي وسط صراع النفوذ الدولي على الأرض السورية.


وأشار الخطيب إلى أن موجات النزوح الداخلي واسعة، تشبه "تغريبة داخل الوطن"، وتؤدي لفقدان المواطن السوري ما تبقى له من كرامة وانتماء، وسط محاولات جماعات جهادية للاستيلاء على مناطق كردية وتوطينها بالقوة.
وفيما يتعلق بالمواقف الإقليمية، شدد الخطيب على أن موقف تركيا واضح إزاء ما يجري، إذ تدعم الحكومة في شن هجمات باستخدام العتاد الثقيل ضد المناطق الكردية وقوات "قسد"، ولعبت في أكثر من محطة دورًا معطلًا لتنفيذ اتفاق العاشر من مارس.


وأوضح أن أنقرة تنظر إلى هذا الملف بوصفه تهديدًا قوميًا وأمنيًا مباشرًا، معتبرة أن أي اعتراف قانوني أو دولي بإقليم شمال شرق الفرات قد يفتح الباب أمام تحركات داخلية في تركيا، سواء على مستوى الأكراد للمطالبة بإقليم مستقل على غرار كردستان العراق وسوريا، أو حتى على مستوى العلويين الذين يزيد تعدادهم على 20 مليون نسمة.
ورأى الخطيب أن هذه المخاوف التركية تفسر حدة الصراع التركي–الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، مشيرًا إلى أن الحرب الدائرة اليوم بالوكالة بين الطرفين قد تتطور إلى مواجهة مباشرة.


وفي المقابل، لفت الخطيب إلى أن روسيا باتت تمتلك نقاط توافق مع الولايات المتحدة وإسرائيل تفوق نقاط الخلاف، خاصة في ظل تعقيدات الملف الروسي–الأوكراني، إضافة إلى شعور موسكو بأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لم يكن حليفًا موثوقًا في كثير من المحطات، ما يدفعها ضمنيًا إلى الميل نحو ورقة "قسد" وتعزيز حضورها، على حساب المصالح التركية في هذا الملف.
وحذر الخطيب من أن التصعيد بات يهدد وحدة سوريا، وقد يؤدي إلى التقسيم وتشكيل كيانات وأقاليم منفصلة، ما يخدم أجندات خارجية لإعادة رسم الجغرافيا السورية.
وأكد أن السلطة المؤقتة، بدل الدفع بالعملية السياسية نحو حوار وطني سوري حقيقي، سلمت عمليًا الملفات السيادية للاعبين الدوليين.


وأشار إلى أن ما يحدث يعكس صراع نفوذ وتحكم بالموارد والجغرافيا السورية، في إطار ما وصفه الغرب سابقًا بـ"تقاسم الكعكة السورية"، مستفيدًا من هشاشة السلطة الحالية لتنفيذ مخططاته المؤجلة.

وأوضح أن المجتمع الدولي ينفذ مصالحه مهما كان الثمن، وأن الدول تتحرك وفق مصالحها لا العواطف، في زمن يسيطر فيه الجشع المادي على القيم الإنسانية.
واعتبر أن الأحداث تمثل صراع حضارات حقيقيًا، تكون فيه منطقة الشرق الأوسط الخاسر الأكبر.
وختم الخطيب حديثه بالتساؤل حول توقيت التصعيد، وعلاقته باللقاء الذي جمع ممثلي السلطة السورية المؤقتة بالإسرائيليين في باريس.
وأشار إلى أن المشهد الحالي قد يكون جزءًا من صفقة إقليمية إقليمية جديدة تحت عنوان "الشمال مقابل الجنوب"، مؤكدًا أن الأيام المقبلة ستبين ملامح هذا السيناريو بشكل أوضح.