صراع جرينلاند يشعل أسواق المعادن: "الذهب والفضة في قلب التوتر الأمريكي الأوروبي"

كتبت : علياء الهواري

دخلت أسواق المعادن الثمينة مرحلة جديدة من الاضطراب مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا على خلفية الصراع حول جزيرة جرينلاند؛ وهي الجزيرة التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى محور صراع جيوسياسي واقتصادي واسع النطاق، في ظل ما تمثله من ثقل استراتيجي وموارد طبيعية نادرة وموقع جغرافي بالغ الأهمية في منطقة القطب الشمالي. هذا الصراع لم يبق حبيس التصريحات السياسية بل امتد تأثيره المباشر إلى الأسواق العالمية، وعلى رأسها أسواق الذهب والفضة التي شهدت موجات صعود ملحوظة مدفوعة بحالة عدم اليقين.

وفي هذا السياق، قال الدكتور وليد جاب الله، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع، إن قضية جرينلاند تعد حلقة جديدة في سلسلة من الاضطرابات السياسية التي تشهدها الساحة الدولية منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الحكم، مشيرًا إلى أن هذه الاضطرابات كان لها أثر مباشر في دفع أسعار المعادن بما فيها الذهب والفضة إلى الارتفاع. وأوضح جاب الله أن صراع جرينلاند لا يمكن فصله عن أحداث سابقة مثل التوترات في فنزويلا وإيران والصراعات مع الصين، مؤكدًا أن هذه الملفات مجتمعة خلقت مناخًا عالميًا مضطربًا دفع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة.

وأضاف أن الذهب والفضة استفادا من هذا المناخ حيث تحركت أسعارهما في مسار تصاعدي واضح نتيجة تزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراعات، موضحًا أن الأسواق باتت تتفاعل مع حالة عامة من عدم الاستقرار أكثر من تفاعلها مع حدث واحد بعينه. وحول التوقعات المستقبلية، أشار جاب الله إلى أن الاتجاه العام لا يزال صعوديًا، لكنه توقع أن تكون وتيرة الارتفاع خلال عام 2026 أقل حدة مقارنة بعام 2025، مرجعًا ذلك إلى أن الأسواق بدأت تمتص الصدمات السياسية المتكررة وأصبحت أكثر قدرة على التكيف.

وأكد أن استمرار الصراعات خلال ولاية الرئيس ترامب أمر مرجح، وهو ما يدعم بقاء المعادن في مسار صاعد على المدى المتوسط والطويل، ليس الذهب والفضة فقط بل أيضًا المعادن النادرة التي تدخل في الصناعات الاستراتيجية. وفيما يتعلق بتعامل الشركات والمصارف، قال جاب الله إن المؤسسات الكبرى باتت تتعامل مع الصراعات الجيوسياسية باعتبارها واقعًا دائمًا وليس أحداثًا استثنائية، مشيرًا إلى أن الشركات أصبحت أكثر تحفظًا في خطط التوسع بينما لجأت المصارف إلى تحميل المخاطر على أدوات الائتمان وإعادة تسعير التمويل لضمان العمل في نطاق آمن.

أطماع واشنطن ومخاوف القارة العجوز: صراع الموارد والملاحة

من جانبه، قال الدكتور ياسر حسين، الخبير الاقتصادي، إن أزمة جزيرة جرينلاند تمثل بوابة محتملة لصراع عالمي جديد بين واشنطن وأوروبا، موضحًا أن الولايات المتحدة تمتلك دوافع قوية للسيطرة على الجزيرة لما تتمتع به من موارد طبيعية ومعادن نادرة، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي لمراقبة التحركات الروسية في القطب الشمالي. وأشار حسين إلى أن واشنطن تسعى أيضًا للهيمنة على طرق الملاحة المستقبلية التي سيفتحها ذوبان الجليد، وهو ما قوبل برفض أوروبي واضح دفع الرئيس الأمريكي للتهديد بفرض رسوم جمركية إضافية على دول أوروبية.

وأوضح أن هذا التصعيد أدى إلى حالة من القلق في الأسواق انعكست في صورة إقبال متزايد على شراء الذهب والفضة في ظل الضباب الاقتصادي، مؤكدًا أن المعادن الثمينة تاريخيًا ترتفع مع أي توترات عالمية. وأضاف حسين أن طلب الرئيس الأمريكي شراء جرينلاند ساهم في زيادة حدة التوتر، مشيرًا إلى أنه في حال استمرار التصعيد فإن القوة الشرائية العالمية ستتجه بشكل أكبر نحو الذهب والفضة، إلى جانب معادن أخرى مثل البلاتينيوم والبلاديوم.

وأكد أن الارتفاع الحالي لا يعود فقط لأزمة جرينلاند، بل تدعمه عوامل أخرى في مقدمتها اتجاه البنوك المركزية لزيادة احتياطياتها من الذهب لتعزيز استقرار عملاتها. كما لفت إلى أن الفضة تشهد إقبالاً تاريخيًا لا يقتصر على كونها ملاذًا آمنًا بل لدخولها القوي في الصناعات التكنولوجية الحديثة مثل الألواح الشمسية والسيارات الكهربائية، وهو ما رفع الطلب عليها بشكل كبير وأسهم في تسجيلها مستويات سعرية مرتفعة.

وأشار حسين إلى أن تعدد بؤر الصراع من جرينلاند إلى أوكرانيا والتوتر بين الصين وتايوان عزز من توجه الدول والمستثمرين نحو الملاذات الآمنة، حيث تسعى الدول لتقوية عملاتها في ظل المخاوف من تراجع قيمة العملات المحلية نتيجة الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة. وفيما يتعلق بتعامل الشركات والمصارف، قال حسين إن المرحلة الحالية تتطلب إدارة دقيقة للمخاطر من خلال تنويع الاستثمارات والتأمين على الصفقات.

وشدد في الختام على أهمية المراقبة المستمرة للأنشطة الاستثمارية وتقييم المخاطر بشكل دوري، مؤكدًا أن الفترة المقبلة تتطلب إدارة واعية تتيح للدول والشركات عبور هذه المرحلة المضطربة بأقل الخسائر. ويجمع الخبراء على أن الذهب والفضة سيظلان في صدارة المشهد الاقتصادي العالمي كترمومتر مباشر لحجم القلق الذي يسيطر على العالم.