كتبت: هدير البحيري
يمثل اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته على يد القوات الأمريكية تحولًا غير مسبوق في السياسة الدولية واختبارًا مباشرًا لمبادئ السيادة الوطنية والقانون الدولي.
تعكس هذه العملية استراتيجية أمريكية متدرجة تضغط على فنزويلا اقتصاديًا ودبلوماسيًا وعسكريًا.
ويزيد صمت روسيا والصين الغموض حول استقرار النظام والاقتصاد النفطي، ويطرح تساؤلًا: هل سيؤدي التدخل الأمريكي إلى صفقة دولية تكيف السلطة المحلية مع النفوذ الخارجي، أم إلى مواجهة مفتوحة؟
الخلفية التاريخية للنزاع
تأتي هذه العملية العسكرية في سياق نزاع طويل بين واشنطن وكراكاس، بدأ مع تولي هوجو تشافيز الرئاسة عام 1999 واستمر مع مادورو منذ 2013، بالتوازي مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وتدهور مؤسسات الدولة وحقوق الإنسان.
وعلى مدار سنوات، لجأت الولايات المتحدة إلى أدوات ضغط متعددة، شملت العقوبات الاقتصادية، الضغوط السياسية، وتقديم مكافآت مالية، وصولًا إلى ضربات عسكرية، بهدف فرض تغييرات سياسية وإصلاح اقتصادي في بلد يمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم.
العملية العسكرية ونتائجها على الأرض
على الرغم من أن العملية كانت غير متوقعة، شهدت العاصمة كاراكاس هدوءًا نسبيًا، مع تظاهرات محدودة لأنصار مادورو، بعضهم مسلح، للتعبير عن رفضهم للخطوة الأمريكية.
ولم تتوقف الولايات المتحدة منذ أشهر عن تصعيد الضغط على النظام الفنزويلي، مستخدمة أدوات قانونية ودبلوماسية وأمنية متزامنة، شملت تصنيف عصابات مثل "كارتل لوس سوليس" و"ترين دي أراجوا" كمنظمات إرهابية، وفرض جوائز مالية ضخمة على رأس مادورو، بوصفه "أحد أكبر مهربي المخدرات في العالم".
وبلغ التصعيد ذروته بشن ضربات جوية وميدانية واسعة، ومصادرة ناقلات نفط، وانتشار أسطول أمريكي قبالة السواحل، وصولًا إلى احتجاز مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة، في خطوة غير مسبوقة ضد رئيس منتخب أثناء توليه المنصب.
وربطت واشنطن هذه الإجراءات بمحاربة تدفق المخدرات والهجرة غير القانونية، مع إنذار سابق لمادورو لتسليم السلطة، ما يعكس استراتيجية أمريكية متدرجة ومركزة قبل اللجوء للتدخل العسكري المباشر.
ترامب يؤكد هدف العملية: السلام والإصلاح
وفي ظل هذه التطورات الميدانية، خرج الرئيس الأمريكي ترامب بتصريحات رسمية أوضح فيها أن الهدف من العملية ليس "تغيير النظام بشكل كامل"، بل تحقيق "السلام على الأرض" وإصلاح الدولة المنهارة، مع تأجيل وإعادة تنظيم الانتخابات في الوقت المناسب.
كما وجه تحذيرات واضحة لخصوم الولايات المتحدة الإقليميين، بما في ذلك كولومبيا وكوبا وإيران، في إطار سياسة صارمة لتعزيز النفوذ الأمريكي في المنطقة.
الأبعاد القانونية والدولية
وعلى الصعيد القانوني والدولي، تأتي الخطوة الأمريكية لتثير جدلًا واسعًا، إذ يعدها خبراء القانون الدولي انتهاكًا صارخًا لمبدأ سيادة الدول. فميثاق الأمم المتحدة يحظر استخدام القوة العسكرية إلا في حالات محددة مثل الدفاع عن النفس أو بتفويض من مجلس الأمن، بينما لا تمنح الاتهامات الجنائية لمادورو واشنطن الحق في التدخل العسكري لإسقاط حكومة أجنبية.
سيناريوهات الحكم بعد مادورو
وفي ظل الأبعاد القانونية والدولية للعملية، قال الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور يسري عبيد، في حديث خاص لـ"نافذة الشرق" إن التطورات الأخيرة في فنزويلا تعكس مبدأ الصفقات الدولية بين القوى الكبرى.
ويرى عبيد أن صمت روسيا والصين بشأن العملية، إلى جانب النهج غير العلني الذي اتبعته الولايات المتحدة، قد يشير إلى وجود تفاهمات مسبقة قبل اعتقال مادورو على يد القوات الأمريكية.
ويضيف عبيد أن نجاح أي صفقة محتملة مرتبط بشكل وثيق بمستجدات الحرب في أوكرانيا؛ ففرض روسيا لشروطها على أوكرانيا والدول الأوروبية والولايات المتحدة، وإنهاء النزاع بما يتوافق مع مصالح موسكو، قد يجعل العملية في فنزويلا جزءًا من استراتيجية دولية متكاملة.
وفي حال استمرار الصراع وتعنت أوكرانيا، واستمرار المواقف الأوروبية والأمريكية الرافضة للتنازل، قد تضطر روسيا للتعاون مع الصين واتخاذ خطوات مضادة لحماية مصالحها الإقليمية والدولية، ضمن تحرك استراتيجي عالمي أوسع.
يرى عبيد أن مستقبل الحكم في فنزويلا يظل غامضًا، مع وجود عدة سيناريوهات محتملة، إذ قد تسعى الولايات المتحدة لعقد صفقة مع السلطة الحالية، ما قد يؤدي إلى تدخل كامل في الشؤون الداخلية أو استبدال القيادة بحكومة موالية لها من المعارضة، بينما قد يتمسك النظام الفنزويلي بالدفاع عن سيادته، ما يزيد من حدة التوتر بين الطرفين.
وأشار عبيد إلى أن هذه العملية تختلف عن عمليات سابقة، مثل اعتقال رئيس بنما عام 1989، ويرى أن الولايات المتحدة، بصفتها القوة المهيمنة في النظام الدولي أحادي القطبية، تتحمل مسؤولية تنظيم قواعد القانون الدولي.
وأضاف أن خطوة واشنطن تشكل اختبارًا لمبدأ السيادة، وقد تترك آثارًا محتملة على القواعد الدولية، بما في ذلك احتمالات ردود مشابهة من روسيا أو الصين إذا توفرت لديهم القدرة على التنفيذ.
وعلى الصعيد الداخلي، أوضح عبيد إلى أن نائبة الرئيس السابقة، التي تولت الرئاسة مؤقتًا، لا تزال تعترف بشرعية مادورو، وربما تحاول تجنب التصادم المباشر مع الولايات المتحدة.
كما لفت عبيد إلى تصاعد الغضب الشعبي تجاه الإجراءات الأمريكية، مؤكدًا أن مصير النظام بعد مادورو لا يزال غامضًا، مع تساؤلات حول قدرته على مواجهة الضغوط أو الاستجابة لمطالب ترامب.
وختم حديثه بأن الأيام المقبلة كفيلة بكشف مآلات المشهد السياسي، مع توقع أن تتضح الصورة تدريجيًا.
الوضع الاقتصادي لفنزويلا وتداعيات التدخل الأمريكي
ويرى محللون أن أي زيادة ملموسة في إنتاج النفط الفنزويلي لن تتحقق على المدى القريب، حتى في حال ضخ شركات النفط الأمريكية الكبرى مليارات الدولارات. فعلى الرغم من امتلاك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية في العالم، تراجع إنتاجها بشكل حاد على مدار عقود بسبب سوء الإدارة ونقص الاستثمارات، خاصة بعد تأميم القطاع النفطي الذي طال أصول شركات كبرى مثل "إكسون موبيل" و"كونوكو فيليبس".
ويشير خبراء إلى أن العودة الاستثمارية في فنزويلا محفوفة بالمخاطر بسبب الوضع الأمني المتدهور والبنية التحتية المتداعية والتساؤلات القانونية حول شرعية التدخل الأمريكي، إضافة إلى عدم الاستقرار السياسي. ويؤكد أن الشركات الأمريكية لن تستثمر إلا بعد ضمان استرداد رؤوس الأموال وتوفير الحد الأدنى من الأمن ورفع العقوبات.
ويعتمد تعافي الإنتاج النفطي على طبيعة المرحلة السياسية المقبلة؛ فالانتقال السلمي قد يفتح الباب لتعافٍ تدريجي، بينما أي فشل قد يؤدي لمقاومة من جماعات مسلحة.
وعلى الصعيد المالي، ارتفع الدولار مقابل اليورو والجنيه الإسترليني بعد اعتقال مادورو، لكن التأثير على أسعار النفط في الولايات المتحدة سيكون محدودًا على المدى القصير، إذ يتجه معظم الإنتاج الفنزويلي حاليًا إلى كوبا والصين.
وفي حين تركز التحليلات الدولية على انعكاسات الأزمة على الأسواق العالمية، ينتقل النقاش إلى الداخل الفنزويلي، حيث تبدو التأثيرات الاقتصادية أكثر تعقيدًا وبطيئة الظهور.
وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمد أنيس أن الحديث عن "التأثير المباشر" للأحداث الأخيرة قد يكون مضللًا إذا فهم على أنه تأثير فوري، موضحًا أن التداعيات الحقيقية تقاس من خلال المؤشرات الاقتصادية المحلية، لكنها تحتاج إلى وقت للظهور.
وأوضح أنيس لـ"نافذة الشرق" أن فنزويلا تعد اقتصادًا مغلقًا في الأساس، قادته الحكومات الاشتراكية على مدار عقود، ما يعني غياب أسواق المال بالمعنى المتعارف عليه في الاقتصادات المتقدمة، مع اعتماد شبه كامل على النفط كمصدر رئيسي للدخل.
وأضاف أن البلاد تعاني من واحدة من أسوأ الأزمات النقدية في العالم، مع تضخم مفرط وانهيار حاد في قيمة العملة المحلية.
وأشار أنيس إلى أن معدلات التضخم خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 500%، ما أدى إلى تضاعف أسعار السلع عدة مرات، بالتزامن مع تراجع يومي حاد في قيمة البوليفار أمام الدولار، في ظل غياب شبه كامل للاستقرار النقدي.
وأكد أن أي تحسن محتمل سيكون تدريجيًا وليس فوريًا، وسيرتبط بإعادة هيكلة الاقتصاد وربطه مجددًا بالأسواق العالمية.
وفيما يتعلق بقطاع النفط، أوضح أنيس أن الاقتصاد الفنزويلي يعتمد بشكل كبير على صادرات النفط التي تضررت بشدة جراء العقوبات والتدخلات الأمريكية، مشيرًا إلى أن البلاد كانت تصدر أكثر من مليون برميل يوميًا في فترات سابقة، قبل أن يتراجع الإنتاج بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن رفع العقوبات وإعادة ترتيب المشهد السياسي قد يفتحان الباب أمام دخول الشركات الأمريكية لتطوير البنية التحتية، ما قد يرفع الإنتاج إلى نحو مليوني برميل يوميًا خلال عام واحد، مع إمكانية وصوله إلى 3–4 ملايين برميل يوميًا خلال 3 إلى 5 سنوات.
وأكد أنيس أن هذا التطور سينعكس على مجمل الاقتصاد، إذ سيسهم تحسن إنتاج النفط في تهدئة التضخم واستقرار سعر الصرف نسبيًا، إلى جانب انتعاش حركة الاستيراد والتصدير، وعودة شركات تحويل الأموال، ورفع الحظر عن البنوك الفنزويلية وإعادة دمجها في نظام "سويفت" العالمي.



