كتبت: هدير البحيري
رغم التصعيد غير المسبوق في الخطاب الأمريكي تجاه إيران وارتفاع وتيرة التهديدات المتبادلة، لم تتحول الضربة العسكرية الأمريكية إلى عمل فعلي بعد، وسط حسابات سياسية وإقليمية دقيقة. فبينما تلوح واشنطن بخيارات "سريعة وحاسمة"، تعتمد طهران سياسة الردع ورفع كلفة أي مواجهة محتملة، في مشهد تتشابك فيه مصالح الحلفاء والحسابات الأمنية والسياسية.
هذا التأجيل يفتح الباب أمام تساؤلات حول نوايا البيت الأبيض: هل تتراجع واشنطن أمام كلفة التصعيد الإقليمي، أم أن الأمر جزء من استراتيجية تفاوضية مدروسة؟
خلال الأيام الأخيرة، أرسل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسائل متناقضة؛ فقد لوح بخيارات حاسمة، وفي الوقت نفسه أشاد بإجراءات داخل إيران مثل إلغاء الإعدامات، مؤكدًا أن القرار العسكري لم يحسم بعد.
وفق مراقبين، يعكس هذا التناقض أسلوب ترامب التفاوضي المعتاد في الملفات الدولية الحساسة.
ولا يبدو هذا النهج جديدًا؛ فقد لجأت واشنطن سابقًا إلى ما عرف بـ"مناورات التضليل" قبل الهجوم على منشآت نووية إيرانية خلال حرب يونيو 2025، حين أعلن ترامب أن قرار الضربة سيتخذ "خلال أسبوعين"، قبل تنفيذ العملية لاحقًا. هذا التاريخ يعزز فرضية أن التأجيل الحالي قد يكون تكتيكًا لإدارة الضغط وكسب الوقت، لا مؤشرًا على تراجع نهائي.
إلى جانب الاعتبارات الداخلية، تمتد الحسابات الأمريكية إلى ضغوط الحلفاء الإقليميين، الذين يخشون أن أي مواجهة مفتوحة قد تهدد استقرار المنطقة وأسواق الطاقة والأمن البحري.
هذا التداخل بين الاعتبارات العسكرية والسياسية والإقليمية يجعل القرار أكثر تعقيدًا، ويؤكد أن التأجيل لا يعني إلغاء الخيار العسكري، بل إدارة دقيقة للتصعيد بأقصى ضغط وأدنى مخاطر، في انتظار لحظة ترى فيها واشنطن أن تكلفة الضربة أقل من كلفة التراجع.
وفي حديث خاص لـ"نافذة الشرق"، قال الدكتور يسري عبيد، الباحث في الشؤون الدولية إن بعض دول الخليج أعربت عن قلقها من أي تحرك أمريكي محتمل ضد إيران، خشية تأثير ذلك على استقرار المنطقة.
وأضاف أن الأمر يعتمد على حجم وطبيعة الهجوم الأمريكي، مؤكدًا أن الهجمات المحدودة قد تضعف النظام لكنها لن تؤدي إلى إسقاطه، بينما أي خطة شاملة ستكون طويلة ومعقدة.
وعن الغموض الحالي، أوضح عبيد أن التصريحات الأمريكية المتضاربة، إلى جانب استمرار الاستعدادات العسكرية، تزيد من تعقيد المشهد، مضيفًا: "الرئيس الأمريكي، كما اعتدنا، غير متوقع في أفعاله، ولا يمكن التكهن بما يدور في ذهنه".
وعن فرص التعاون مع إيران، قال عبيد: "طالما استمر النظام الإيراني بهذه البنية والعقيدة، فلن تكون هناك أي مبادرات واقعية للتعاطي مع أي مسار إقليمي".
وأضاف عبيد أن النظام الإيراني يتخذ موقفًا واضحًا ومعارضًا تجاه الجانب الإسرائيلي والأمريكي، وهو موقف متجذر في العقيدة الدستورية التي تصف الولايات المتحدة بـ"الشيطان الأكبر" وإسرائيل بـ"الشيطان الأصغر".
وأوضح أن الاتفاقيات المطروحة في المنطقة، مثل اتفاقية كوروش، التي تهدف إلى تعزيز التعاون بين الدول الإقليمية وحماية الحقوق الدينية والثقافية، واتفاقيات أبراهام، التي تمثل خطوات لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية مع التركيز على السلام والتعاون الاقتصادي والسياسي، تبقى في رأيه "أطروحات نظرية بلا فرصة حقيقية للتطبيق على أرض الواقع".
وأضاف عبيد: "أي جهود للتعاون مع الولايات المتحدة أو طرح حلول لتطبيع العلاقات مع إسرائيل ستظل غير قابلة للتنفيذ عمليًا، وما يطرح من مبادرات يبقى مجرد نقاشات نظرية دون تأثير ملموس".
إيران: الردع وإدارة التصعيد
في المقابل، لم تظل طهران مكتوفة الأيدي أمام ضغوط واشنطن، بل تبنت مقاربة مدروسة تهدف إلى رفع كلفة أي مواجهة محتملة، مع الحفاظ على قدرة الردع دون الانزلاق إلى صدام شامل.
خلال الأسابيع الأخيرة، كثفت إيران رسائلها المتعددة: تهديدات الحرس الثوري ضد أهداف أمريكية محتملة، استعراض القدرات الصاروخية، وتحركات داخلية لتعزيز التماسك الوطني أمام الاحتجاجات الشعبية.
وتسعى طهران لإدارة المواجهة ضمن إطار السيطرة والتوازن، من خلال الرد الدقيق والمدروس، واستخدام أدوات دبلوماسية وسياسية للحفاظ على التوازن بين الردع والتفاوض.
وتلعب الخلافات بين حلفاء واشنطن دورًا مزدوجًا، فهي تمنح إيران هامش مناورة أكبر لكنها تزيد من تعقيد التقديرات الأمنية.
الهدف النهائي لطهران، بحسب خبراء، هو إبقاء واشنطن على الطاولة، وتعزيز موقعها الإقليمي وقدرتها على المناورة داخليًا وخارجيًا، دون دفع المنطقة نحو صدام مفتوح، مع تثبيت حكمها وسط موجات الاحتجاج الشعبي.
وفي هذا السياق، قال الدكتور محمد عبادي، الباحث في الشؤون الإيرانية والعلاقات الدولية لـ"نافذة الشرق" إن استعدادات إيران لمواجهة أي سيناريو متغير تتحدد بحسب مستوى التهديد، مع تمييز واضح بين الأوضاع الطبيعية ولحظات التصعيد أو احتمال المواجهة العسكرية المباشرة.
وأوضح عبادي أن إيران في أوقات عدم وجود تهديد مباشر تعتمد على الردع السياسي والعسكري غير المباشر، عبر المناورات العسكرية والإعلان عن تطويرات في برنامجها الصاروخي، بما في ذلك نسخ بعيدة المدى وذات "دقة فائقة"، مع استخدام خطاب تصعيدي من الحرس الثوري لترسيخ صورة امتلاك قدرات عسكرية متقدمة.
وأضاف أن نمط الاستعداد يتغير عند مواجهة تهديد وشيك، كما حدث خلال حرب الأيام الـ12 في يونيو الماضي أو في ظل تهديدات بضربة أمريكية محتملة.
في هذه الحالات، تتحول إيران إلى التهديد المباشر ضد المصالح الأمريكية في الإقليم وضرب القواعد الأمريكية في دول الجوار، مع التلويح بقصف إسرائيل، بينما تظل قدراتها الدفاعية والجوية محدودة بسبب قدم المعدات العسكرية، بما في ذلك طائرات من حقبة الشاه وبطاريات S-300 التي تعرضت لاستهداف سابق.
وأشار عبادي إلى أن الحرس الثوري، المعروف بـ"الحرس الحديدي"، يشكل جوهر القوة الإيرانية ويمزج بين البعد العسكري والسياسي، ويعمل كعمود فقري لأي استجابة عسكرية.
ويضم الحرس خمسة أفرع رئيسية: القوات البرية، البحرية، الجوية، فيلق القدس، وجهاز الاستخبارات، ويكلفه الدستور بحماية الثورة والدفاع عن الجمهورية الإسلامية، ما يجعل دوره حيويًا في أوقات التصعيد سواء عبر التهديد والردع أو المواجهة المباشرة إذا اقتضت الحاجة.
وتظهر تجربة حرب الأيام الـ12 قدرة الحرس على امتصاص الصدمات وإعادة التنظيم بسرعة، مع استمرار العمليات العسكرية وإطلاق الصواريخ رغم الخسائر، فضلًا عن إعادة إنتاج القيادات الميدانية وتعويض الخسائر البشرية. ويهدف هذا السلوك إلى فرض قواعد اشتباك تردع الخصوم عن التوسع، وتعظيم تأثير أدوات القوة المتاحة، دون الانزلاق في حرب شاملة، بما يعكس استراتيجية بقاء النظام وتثبيت التماسك الداخلي، بحسب عبادي.
وأكد عبادي أن إيران تعتبر أي تهديد أمريكي اختبارًا لشرعية النظام وبنيته الداخلية، وأن أي تحرك عسكري مباشر سيواجه برد محسوب يعتمد على الترسانة الصاروخية وشبكة وكلائها الإقليميين، في إطار إدارة الصراع وتقليل الكلفة على الداخل الإيراني.
ولفت عبادي إلى أن التباين في تقييم المخاطر بين دول الخليج وإسرائيل يعكس اختلافًا جوهريًا في المصالح؛ إذ ترى دول الخليج أن أي مواجهة شاملة مع إيران قد تؤدي إلى أزمات إقليمية عميقة، بينما تعتبر إسرائيل أن التعامل مع إيران يحتاج أحيانًا إلى إجراءات استباقية صارمة لحماية أمنها القومي.
وقال عبادي إن الرؤية الخليجية تسعى للحد من التصعيد عبر الدبلوماسية والضغط السياسي والاقتصادي، مع إبقاء الردع العسكري خيارًا ثانويًا، في حين تصر إسرائيل على أن النظام الإيراني يشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها، وتضغط باستمرار على الإدارات الأمريكية لاعتماد سياسات تصعيدية قد تصل إلى ضرب المنشآت النووية أحيانًا.
ويخلص عبادي إلى أن أي تصعيد أو مواجهة محتملة لا تعتمد على حسابات أحادية، بل على توازن دقيق بين الردع الإيراني، التهديد الإسرائيلي، الحذر الخليجي، والخيارات الأمريكية، ما يجعل المنطقة أمام معادلة معقدة لا تحتمل انزلاقًا عسكريًا غير محسوب، ويؤكد ضرورة فهم القدرات الإيرانية لفهم خيارات واشنطن وحلفائها.
الحسابات الإقليمية وحلفاء واشنطن
في الوقت الذي تتأرجح فيه واشنطن وطهران بين التصعيد والتهدئة، تلعب مواقف الحلفاء الإقليميين دورًا حاسمًا في تحديد خيارات الإدارة الأمريكية، إذ حذرت قطر والسعودية وعمان ومصر من أي ضربة أمريكية محتملة على إيران، مطالبةً بتجنب التصعيد للحفاظ على استقرار المنطقة وأسواق الطاقة والأمن البحري، ووضعوا شروطًا لضمان عدم امتداد أي هجوم إلى أراضيها.
إسرائيل، من جانبها، أبدت ترددًا في الانخراط المباشر، رغم قلقها من البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، وسعت إلى تأجيل أي عمل عسكري أمريكي لحين تقييم الاستعدادات الدفاعية وقياس المخاطر على أمنها الداخلي.
ويشير مراقبون إلى أن هذا التداخل بين مصالح الحلفاء والضغوط الداخلية على واشنطن يخلق إطارًا معقدًا لاتخاذ القرار، حيث توازن الإدارة الأمريكية بين الضغط على طهران والحاجة لتجنب مواجهة مفتوحة قد تؤدي إلى فوضى إقليمية.
كما أن اختلاف مواقف الحلفاء يمنح إيران هامش مناورة أكبر لاستغلال أي تباين في المواقف الإقليمية لتخفيف الضغط، سواء عبر رسائل دبلوماسية أو تحركات اقتصادية وعسكرية محدودة.
وفي المقابل، تجبر هذه الديناميكية الولايات المتحدة على إعادة ترتيب قواعدها وحساباتها، بما في ذلك نقل قوات إضافية وتعزيز قواعدها العسكرية، لضمان جاهزية الرد دون الانزلاق إلى سيناريو غير محسوب.
ونتيجة لذلك، تظل أي خطوة عسكرية أمريكية محتملة محفوفة بالمخاطر، ما يؤكد أن المنطقة ما تزال رهينة حسابات دقيقة للتصعيد والتهدئة، بعيدًا عن مواجهة شاملة في الوقت الراهن.
وقال الخبير الأمني والاستراتيجي العقيد محسن الشوبكي لـ"نافذة الشرق" إن الخلافات بين حلفاء واشنطن الإقليميين لم تعد مجرد تباينات سياسية هامشية، بل تحولت إلى قيد استراتيجي مباشر يحد من أي خيار عسكري أمريكي محتمل ضد إيران.
وأوضح الشوبكي أن هذه الخلافات لا تنبع من الموقف تجاه طهران بقدر ما تعكس اختلاف تقدير المخاطر، إذ ترى بعض الدول أن أي ضربة أمريكية قد تجعل أراضيها ساحة لرد إيراني مباشر أو عبر وكلاء، بينما تخشى دول أخرى أن يؤدي التصعيد إلى تهديد أمن الطاقة والملاحة البحرية والاستقرار الداخلي.
وأشار إلى أن هذا الانقسام الإقليمي يحول دون تشكيل جبهة تشغيلية موحدة، ويفقد واشنطن ميزة العمل الجماعي، ما يجعل أي عملية عسكرية محتملة عبئًا أمريكيًا منفردًا على المستويين السياسي والأمني.
وفي هذا السياق، لفت الشوبكي إلى أن رفض بعض الدول الإقليمية استخدام قواعدها العسكرية لا يلغي القدرة الأمريكية على توجيه ضربة، لكنه يسلبها عنصر الحسم السريع، موضحًا أن القواعد القريبة لا تعد مجرد منصات انطلاق، بل تمثل مفاصل لوجستية واستخباراتية حاسمة لأي عملية واسعة النطاق.
وبين أن الاعتماد على حاملات الطائرات أو على قواعد بعيدة يطيل زمن الاستجابة، ويقلل كثافة الضربات المتزامنة، ويضعف عنصر المفاجأة، وهو ما يحوّل أي ضربة محتملة من عمل صاعق إلى عملية محسوبة ومحدودة الأثر.
وعسكريًا، أكد الشوبكي أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على تنفيذ ضربة ضد إيران حتى في غياب الدعم الإقليمي، مستندة إلى القاذفات بعيدة المدى، والغواصات، والقدرات السيبرانية والفضائية، لكنه شدد في المقابل على أن امتلاك القدرة على الضرب لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم في النتائج.
وأضاف أن غياب المظلة الإقليمية يجعل القوات والمصالح الأمريكية أكثر عرضة لردود غير متماثلة تمتد زمنيًا وجغرافيًا، بما يرفع كلفة "اليوم التالي" إلى مستوى قد يتجاوز المكاسب المتوقعة من الضربة نفسها.
وفي هذا الإطار، رأى الشوبكي أن تأخير أي ضربة أمريكية محتملة لا يعكس ترددًا بقدر ما يعكس إدراكًا لتعقيد المشهد، في ظل مخاوف من انزلاق إقليمي واسع قد ينعكس على الأسواق العالمية وعلى الداخل الأمريكي.
وقال إن واشنطن انتقلت عسكريًا من منطق الضربة السريعة إلى إدارة التصعيد، عبر إعادة التموضع، وتعزيز الدفاعات، وتأمين الممرات الحيوية قبل أي عمل هجومي.
وبحسب الشوبكي، فإن هذه المقاربة تعني أن طبيعة الضربة – إذا وقعت – ستكون انتقائية، ورمزية في إطار الردع، ومحدودة النطاق.
وفي ما يتعلق بتطورات الساحات المرتبطة بإيران، أشار الشوبكي إلى أن رفع الحوثيين لمستوى الجاهزية في هذا التوقيت يمثل رسالة ردع محسوبة، مفادها أن أي استهداف لإيران سيفتح ساحات ضغط إضافية، وفي مقدمتها البحر الأحمر.
وشدد على أن هذا التحرك لا يعني بالضرورة نية الذهاب إلى حرب شاملة، بل يعكس استعدادًا لتوسيع المواجهة غير المباشرة عبر استنزاف اقتصادي وأمني يرفع كلفة القرار العسكري على واشنطن وحلفائها.
وأضاف أن البحر الأحمر يبرز باعتباره إحدى أكثر ساحات الاحتكاك هشاشة، ليس لأنه مرشح للتحول إلى حرب تقليدية مفتوحة، بل لأنه قد يصبح ساحة صراع منخفض الشدة ومرتفع التأثير، مع تهديد الملاحة، وارتفاع كلفة التأمين، وتزايد التدويل الأمني، وهو ما يمنح أي تصعيد أمريكي–إيراني بعدًا استراتيجيًا يتجاوز الجغرافيا ليطال الاقتصاد العالمي مباشرة.
وختم الشوبكي حديثه بالقول: "نحن أمام مشهد تفوق عسكري يقابله تعقيد استراتيجي. الولايات المتحدة قادرة على الفعل، لكنها مقيدة بكلفة الرد الإقليمي وتصدعات جبهة الحلفاء. في المقابل، تعتمد إيران ومحورها على توسيع ساحات الضغط دون كسر الخط الأحمر للحرب الشاملة. والنتيجة المرجحة ليست مواجهة كبرى، بل إدارة صراع طويل النفس، تستخدم فيه الضربات المحدودة والتهديدات غير المباشرة لإعادة رسم التوازنات، لا لحسمها نهائيًا".


