كتبت : علياء الهواري
المعبر كبوصلة سياسية وعمق استراتيجي
لم يكن معبر رفح يومًا مجرد بوابة حدودية بين مصر وقطاع غزة، بل ظلّ على الدوام مرآة صادقة لموقع مصر في قلب القضية الفلسطينية ومقياسًا حقيقيًا لدورها الإقليمي والإنساني والسياسي. فكلما اشتعلت غزة، تصدّر اسم المعبر المشهد، وكأنه النبض الذي يعلن أن القطاع ما زال حيًا، وأن هناك دولة عربية كبرى تقف على تخوم الجرح لا تكتفي بالمشاهدة، ولا تنخرط في المتاجرة بالدم الفلسطيني. تشغيل معبر رفح في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن سياق أوسع يتجاوز فكرة إدخال المساعدات أو خروج الجرحى، إذ يعكس تحركًا سياسيًا محسوبًا يعيد تعريف العلاقة بين الدولة المصرية وقطاع غزة، باعتبارها علاقة تاريخ وجوار وأمن قومي ومصير مشترك.
حائط صد ضد التهجير ومعادلات الأمن القومي
وفي هذا السياق، قال الدكتور بهاء الدين عبد ربه، رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة النيل الأوروبية، في حديث خاص إن فتح معبر رفح لا يمكن التعامل معه باعتباره إجراءً إنسانيًا فقط، بل هو موقف سياسي متكامل يعكس التاريخ المصري الطويل في احتضان القضية الفلسطينية إنسانيًا وسياسيًا. وأوضح أن المعبر يمثل الرئة الثانية لأهل غزة والشريان الحيوي الذي يربطهم بعمقهم العربي الوحيد في ظل الحصار المفروض على القطاع. وأشار "عبد ربه" إلى أن مصر، منذ بدايات الصراع العربي الإسرائيلي، لم تكن وسيطًا طارئًا في الملف الفلسطيني، بل طرفًا ضامنًا للتوازن الإقليمي، وسدًّا منيعًا في مواجهة مخططات التهجير والتفريغ السكاني التي سعت إسرائيل إلى فرضها عبر الحصار والحروب المتكررة. ولفت إلى أن معبر رفح تحوّل من مجرد إجراء إداري إلى جزء أصيل من معادلة الأمن القومي المصري، نظرًا لارتباط غزة المباشر بأمن سيناء واستقرار الإقليم ككل.
حماية الهوية الفلسطينية بين الإغاثة والسياسة
وأضاف أن ما يميّز الدور المصري هو أنه لم يتوقف عند حدود الدعم الإنساني، بل امتد إلى حماية الهوية الوطنية الفلسطينية، ومنع تحويل المعاناة الإنسانية إلى أداة ضغط لفرض حلول سياسية قسرية. ورغم تعقيدات الانقسام الفلسطيني ومحاولات تهميش الدور المصري، حافظت القاهرة على خيط التواصل مع جميع الأطراف، وقدّمت نموذجًا لدور متوازن يجمع بين الإغاثة والسياسة، وبين الالتزام الأخلاقي والحضور الإقليمي الفاعل. وخلال فترات الحرب والإبادة التي تعرّض لها قطاع غزة، برز الحضور المصري عبر قوافل المساعدات، والدور الفاعل للجنة المصرية، إلى جانب الدعم الشعبي المتوازي مع التحرك الرسمي، وهو ما منح فتح المعبر دلالة مضاعفة باعتباره رسالة واضحة بأن مصر لا تتعامل مع غزة كملف عابر، بل كقضية حيّة تمس وجدانها وأمنها القومي ودورها التاريخي.
البوابة الشرقية: رسائل السلام وبناء المؤسسات
ورغم الضغوط الإسرائيلية ومحاولات تعطيل فتح المعبر في الاتجاهين، ظلّ القرار المصري صلبًا، محافظًا على توازن دقيق يمنع تمرير سيناريوهات التهجير القسري التي سعت إسرائيل إلى فرضها تحت غطاء إنساني زائف. من جانبه، أكد مصطفى الزيات، أمين مساعد حزب الجبهة الوطنية بلجنة الدفاع والأمن القومي، أن معبر رفح يُعد البوابة الشرقية لمصر وحدودها المباشرة مع دولة فلسطين، معتبرًا أن حضوره في قلب المشهد الفلسطيني أمر طبيعي يعكس مكانة مصر كدولة قوية تقف إلى جانب أشقائها دون التفريط في أمنها أو أرضها. وأوضح "الزيات" أن تشغيل المعبر يحمل رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن مصر دولة سلام، لكنها في الوقت ذاته دولة قادرة تمتلك أدوات التأثير السياسي والأمني. وأضاف أن الدور المصري لا يقتصر على فتح بوابة لعبور المساعدات، بل يمتد إلى دعم الاستقرار، وبناء المؤسسات الفلسطينية، وتدريب الكوادر الأمنية، بما يعزز قدرة الفلسطينيين على الصمود وإدارة شؤونهم في ظل واقع شديد التعقيد.
نبض الحياة: كسر الحصار وتعزيز الصمود النفسي
وفي البعد الإنساني، يتجلّى الدور المصري بوضوح من خلال تدفّق المساعدات الغذائية والطبية والاجتماعية، والدور المحوري للهلال الأحمر المصري، الذي تحوّل إلى شريان إمداد دائم لقطاع غزة، لا يرتبط بمواسم الحرب فقط، بل باستراتيجية دعم مستمرة تعكس فهم القاهرة لطبيعة الصراع بوصفه صراعًا طويل الأمد، يحتاج إلى نفس طويل وسياسات ثابتة لا إلى ردود فعل مؤقتة. ولا يخفف فتح المعبر من المعاناة المادية لسكان القطاع فحسب، بل يترك أثرًا نفسيًا بالغ الأهمية، إذ يمنح الفلسطينيين شعورًا بأنهم ليسوا محاصرين بالكامل، وأن هناك نافذة مفتوحة على العالم عبر دولة عربية كبرى، وهو ما يعزز صمودهم في مواجهة سياسات الخنق والعزل التي تراهن عليها إسرائيل لإخضاع المجتمع الغزي.
الجغرافيا في خدمة المبادئ: السيادة والفعل الإنساني
ويرى "الزيات" أن المعبر يشكّل أداة سياسية لحماية الأرض ومنع التهجير، وتأكيد أن غزة أرض فلسطينية لا يمكن تفريغها من سكانها تحت أي ذريعة، وهو موقف تجسّد في قرارات مصرية واضحة لا تراجع عنها، وفي حضور مصري فاعل داخل كل المبادرات السياسية الهادفة إلى وقف الحرب وفتح مسارات سلام حقيقية. وتؤكد التجربة التاريخية أن مصر كانت دائمًا دولة تدعو إلى السلام دون أن تنخرط في مؤامرات أو عدائيات، وأن سياستها تجاه القضية الفلسطينية قامت على مبدأ حماية الإنسان والأرض معًا، وهو ما يجعل من معبر رفح نموذجًا حيًا لكيف يمكن للجغرافيا أن تتحول إلى موقف سياسي، وكيف يمكن للسيادة أن تتجسد في فعل إنساني.
حكمة "الدولة" في مواجهة تعقيدات الإقليم
وفي المحصلة، لا يمكن قراءة فتح معبر رفح باعتباره خطوة إغاثية مؤقتة، بل كجزء من تحرك سياسي أوسع يعيد تثبيت الدور المصري في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. فالقاهرة، التي خاضت الحروب وقدّمت التضحيات دفاعًا عن فلسطين، لا تزال حاضرة بالروح نفسها، وإن بأدوات تتناسب مع زمن مختلف، لكنها تحمل المعنى ذاته. معبر رفح، إذن، ليس بوابة فحسب، بل شهادة على أن هناك دولة ما زالت قادرة على الجمع بين الحكمة والحنكة، بين الإنسانية والسياسة، وبين حماية الأمن القومي والانحياز للحق الفلسطيني؛ وهو ما يجعل من الدور المصري حالة فريدة يصعب تجاوزها أو استبدالها، ويجعل من غزة قصة مصرية فلسطينية مشتركة لا يمكن فصل فصولها عن بعضها البعض.



