كتبت: هدير البحيري
عاد ملف سد النهضة الإثيوبي إلى الواجهة مجددًا بعد سلسلة تصريحات متتابعة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أعادت إحياء الجدل حول مستقبل المفاوضات بين مصر وإثيوبيا، وفتحت الباب أمام تساؤلات واسعة حول دوافع هذا التحرك الأمريكي وتوقيته.
فخلال أقل من عام، تناول ترامب القضية سبع مرات، مؤكدًا رغبته في لعب دور الوسيط، مشيرًا إلى حساسية الموقف المصري واعتماد القاهرة شبه الكامل على نهر النيل.
هذا التكرار اللافت في الخطاب الأمريكي جاء بعد فترة من الجمود السياسي، ما جعل التحرك يبدو وكأنه محاولة لإعادة تموضع واشنطن في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في منطقة القرن الأفريقي.
وجاءت أحدث تصريحات ترامب خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، السويسرية، حيث أعلن عزمه ترتيب لقاء مباشر بين القيادتين المصرية والإثيوبية لاستئناف التفاوض، مكررًا إشادته بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
وتزامن ذلك مع رسالة رسمية بعث بها إلى القاهرة، أكد فيها استعداد الولايات المتحدة لاستئناف الوساطة.
وفي المقابل، التزمت إثيوبيا الصمت، وهو ما زاد من حالة الغموض بشأن مدى استعدادها للتجاوب مع أي تحرك دولي جديد، خاصة بعد اكتمال بناء السد ودخوله مرحلة التشغيل.
وتتعامل القاهرة مع التحرك الأمريكي بترحيب حذر، إدراكًا منها لأهمية أي دعم دولي يمكن أن يعيد المفاوضات إلى مسارها، لكنها في الوقت ذاته تتمسك بموقفها الثابت بأن مياه النيل مسألة وجودية لا تقبل المساومة، وأن أي اتفاق يجب أن يكون قانونيًا وملزمًا، ويضمن عدم الإضرار بحصتها المائية، خصوصًا في فترات الجفاف.
أما إثيوبيا، فترى في السد مشروعًا تنمويًا سياديًا، وتفضل تجنب الالتزامات القانونية الصارمة التي قد تحد من قدرتها على تشغيل السد وفق أولوياتها الداخلية.
ولا يزال جوهر الأزمة فنيًا قائمًا، إذ يتمثل الخلاف الأساسي في غياب اتفاق ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل، ويحدد آليات التنسيق بين سد النهضة والسد العالي لضمان عدم الإضرار بدولتي المصب.
ورغم اكتمال السد وبدء تشغيله منذ سبتمبر 2025، فإن غياب إطار قانوني واضح يجعل الأزمة مفتوحة على احتمالات متعددة، ويزيد من مخاوف مصر والسودان بشأن تأثيرات التغيرات المناخية وفترات الجفاف الممتد.
ويأتي هذا التحرك الأمريكي في سياق إقليمي ودولي أوسع، حيث باتت أزمة السد تنظر إليها باعتبارها قضية تتجاوز الخلاف الفني بين دول الحوض، لتلامس ملفات الأمن المائي والغذائي والاستقرار الإقليمي.
كما ترتبط الأزمة بتنافس دولي على النفوذ في منطقة القرن الأفريقي، ما يجعل أي تدخل أمريكي جزءًا من معادلة جيوسياسية أكبر.
وعلى مدى أكثر من عقد، فشلت جولات التفاوض المتعاقبة في التوصل إلى صيغة توافقية، رغم محاولات عديدة، أبرزها مفاوضات 2020 التي رعتها واشنطن والبنك الدولي، وانتهت بتوقيع مصر بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق قبل انسحاب إثيوبيا.
ومع افتتاح السد رسميًا في 2025، أصبحت الأزمة أكثر تعقيدًا، إذ باتت ترتبط بواقع مائي جديد تفرضه منشأة عملاقة تُعد الأكبر من نوعها في أفريقيا.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو فرص نجاح أي وساطة أمريكية جديدة مرهونة بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، وبوجود إرادة سياسية حقيقية لدى إثيوبيا للانخراط في اتفاق ملزم.
وبينما تبدي القاهرة انفتاحًا على أي جهد دولي جاد، يظل الموقف الإثيوبي غير واضح، ما يجعل مستقبل الأزمة مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين استئناف المفاوضات، واستمرار الجمود، أو تدويل أوسع للملف إذا تصاعدت المخاوف من تأثيرات السد على الأمن الإقليمي.
وفي حوار خاص لـ"نافذة الشرق"، قال الخبير في العلاقات الدولية ومدير وحدة الدراسات الدولية بمركز "رع للدراسات الاستراتيجية" الدكتور حسام البقيعي إن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة بشأن سد النهضة الإثيوبي أثارت موجة واسعة من التساؤلات، لا سيما فيما يتعلق بتوقيت هذه التصريحات وغموضها، خاصة مع الإشارة إلى وجود مفاوضات جديدة، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول مصير عقد كامل من المفاوضات السابقة التي لم تُفضِ إلى اتفاق.
وأوضح البقيعي أن حديث ترامب عن "تقاسم المياه" يفتح الباب أمام احتمالات مقلقة، قد تصل إلى حد التخلي عن الاتفاقات التاريخية المنظمة لتقاسم مياه النيل، في ظل غياب أي أسس واضحة أو محددة لعملية تفاوض جديدة، رغم وجود اتفاق جاهز كانت قد أعدته وزارة الخزانة الأمريكية ووقعت عليه مصر في فبراير 2020، قبل أن ترفض إثيوبيا التوقيع عليه بعد انتهاء المفاوضات.
وربط البقيعي عودة ترامب للحديث عن سد النهضة بالتطورات المتسارعة في منطقة القرن الأفريقي، وعلى رأسها اعتراف إسرائيل بما يُعرف بـ"أرض صوماليلاند"، وما تبع ذلك من ردود فعل إقليمية ودولية، أسفرت عن تنسيق ملحوظ بين مصر وتركيا والمملكة العربية السعودية، إلى جانب الخطوط الحمراء التي وضعتها القاهرة في الملف السوداني، والتنسيق القائم بين مصر والسعودية وباكستان وتركيا لدعم الدولة السودانية.
وأشار البقيعي إلى أن فشل عدد من المشروعات الإقليمية، وعلى رأسها مشروع "دولة الجنوب" في اليمن، وهي مشروعات كانت تخدم – بحسب وصفه – المشروع الصهيوني، دفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى التحرك بشكل مباشر، سواء عبر الاعتراف بصوماليلاند أو من خلال تصريحات ترامب بشأن سد النهضة، في محاولة لإعادة ترتيب أوراق النفوذ في المنطقة.
وأضاف البقيعي أن تصريحات ترامب ترتبط أيضًا بشبكة العلاقات والتحالفات الإقليمية التي نجحت مصر في بنائها داخل القرن الأفريقي خلال السنوات الماضية، وهو ما انعكس في تراجع قدرة إثيوبيا على تحقيق أهدافها الاستراتيجية، وعلى رأسها الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، رغم محاولاتها السابقة مع إقليم أرض الصومال.
واعتبر البقيعي أن محاولة ترامب لعب دور الوسيط في هذا الملف قد تستند إلى اعتقاده بإمكانية مقايضة قضية السد بمنح إثيوبيا منفذًا بحريًا على البحر الأحمر، أو استخدام السد كورقة ضغط على مصر في ملفات إقليمية أخرى، من بينها ملف تهجير الفلسطينيين، إلا أن هذه الحسابات – وفقًا له – لم تعد واقعية.
وأوضح البقيعي أن السد لم يعد يمثل ذات الخطورة الاستراتيجية التي كان يُنظر بها سابقًا، خاصة بعد مرور سنوات الملء الأولى دون أضرار جسيمة، نتيجة ارتفاع منسوب المياه خلال تلك الفترات، فضلًا عن المشروعات المائية الكبرى التي نفذتها مصر، والتي أسهمت في تقليص آثار أي تداعيات محتملة.
وشدد البقيعي على أن الولايات المتحدة لا يمكن اعتبارها وسيطًا محايدًا في أزمة سد النهضة، أو غيرها من ملفات المنطقة، في ظل التماهي الواضح بين الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، مستشهدًا بالعدوان الأمريكي على إيران خلال صيف 2025، والذي جاء – بحسب تعبيره – لخدمة أهداف إسرائيلية بحتة، إلى جانب العلاقات الاستراتيجية التاريخية التي تربط واشنطن بأديس أبابا، ووجود لوبي إثيوبي مؤثر داخل الولايات المتحدة.
وأشار البقيعي إلى أن هذا اللوبي كان أحد الأسباب الرئيسية في حماية إثيوبيا من فرض عقوبات أمريكية عليها، عقب رفضها التوقيع على اتفاق وزارة الخزانة الأمريكية عام 2020، خلال الولاية الأولى لترامب.
وأكد أن مصر، خلال عقد كامل من التفاوض، لم تكتفِ بالمسار الدبلوماسي، بل نجحت في بناء شبكة واسعة من التحالفات الإقليمية مع دول محيطة بإثيوبيا، من بينها إريتريا والصومال وأوغندا وكينيا والكونغو، إلى جانب إنفاق مليارات الجنيهات على مشروعات البنية التحتية المائية داخل البلاد.
وأوضح البقيعي أن الموقف المصري الحالي بات أكثر وضوحًا، إذ تركز مطالب القاهرة على توقيع اتفاق قانوني ملزم لتنظيم تشغيل وإدارة السد، بعد أن أصبح واقعًا قائمًا، مؤكدًا أن مصر لم تعارض يومًا مشروعات التنمية في الدول الأفريقية، سواء السدود أو غيرها، بل ساهمت فعليًا في بناء العديد من السدود ومشروعات المياه والطاقة في دول مثل كينيا وتنزانيا وغيرها.
واختتم البقيعي حديثه بالإشارة إلى أن مصر قد تدرس مستقبلًا فكرة إنشاء ممر لتصدير الكهرباء المنتجة من سد النهضة إلى أوروبا، وهو ما ألمح إليه ترامب في تصريحاته وخطابه إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، مؤكدًا في الوقت نفسه أن مشروع السد، منذ نشأته في ستينيات القرن الماضي بدعم أمريكي، لم يكن مشروعًا تنمويًا خالصًا، بل أداة سياسية للضغط على مصر، التي لم تكن يومًا عائقًا أمام تنمية أفريقيا، بل لعبت دورًا محوريًا في دعم حركات الاستقلال وتقديم الدعم الفني والمالي لمشروعات التنمية عقب الاستقلال.



