كتبت: هدير البحيري
يتحول القرن الأفريقي إلى ساحة توتر مفتوح مع تصاعد المسعى الإثيوبي لانتزاع منفذ بحري، بعدما أعلن آبي أحمد صراحة أن بقاء بلاده دولة حبيسة لم يعد مقبولًا، وأن الوصول إلى البحر بات شرطًا لاستقرار الإقليم.
هذا التحرك، الذي يأتي في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، يثير مخاوف من أن يتحول الطموح الإثيوبي إلى خطوة تعيد رسم خرائط النفوذ والسيادة في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة.
وبينما تقدم أديس أبابا مطلبها باعتباره ضرورة تنموية وأمنية، ترى دول الجوار فيه تهديدًا مباشرًا لتوازنات القوة، ما يضع المنطقة على حافة تصعيد قد يفتح الباب أمام صراعات جديدة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
شراقي: إثيوبيا تبحث عن قضية جديدة بعد انتهاء دور سد النهضة التعبوي
وفي هذا السياق، قال الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، في حديث لـ"نافذة الشرق" إن التحركات الإثيوبية الأخيرة نحو الحصول على منفذ بحري لا يمكن فهمها بمعزل عن جملة من الدوافع السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تحكم توجهات أديس أبابا في المرحلة الراهنة.
وأوضح شراقي أن إثيوبيا تعد دولة كبيرة من حيث عدد السكان، الذي يبلغ نحو 130 مليون نسمة، فضلًا عن مساحتها التي تتجاوز مليون كيلومتر مربع، إلا أنها رغم هذا الثقل الديموغرافي والجغرافي تعتمد في تجارتها الخارجية بنسبة تتراوح بين 90 و95% على موانئ دولة جيبوتي، وذلك بحكم موقعها كدولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993.
وأشار شراقي إلى أن رئيس الوزراء الإثيوبي الأسبق ملس زيناوي نجح في عام 2011 في تحويل مشروع سد النهضة إلى قضية دولية ذات طابع خارجي، استخدمت كأداة لتوحيد ما يقرب من 80 قومية إثيوبية تعاني من صراعات متكررة، حيث التفت هذه القوميات حول المشروع، وانشغلت به عن الأوضاع الداخلية المتردية في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة والأمن.
ولفت شراقي إلى أن إثيوبيا كانت آنذاك ضمن أفقر دول العالم، إذ احتلت المرتبة العاشرة عام 2011، ثم المرتبة الثلاثين في عام 2025، موضحًا أن الحكومات المتعاقبة التزمت بالنهج ذاته، فعملت على إطالة أمد العمل في السد، وتمديد مسار المفاوضات لأكثر من 14 عامًا دون التوصل إلى اتفاق، إلى أن تم افتتاحه رسميًا في 9 سبتمبر 2025.
وأضاف أنه مع اقتراب انتهاء الدور التعبوي لقضية سد النهضة كملف خارجي جامع، برز التفكير في خلق قضية جديدة تؤدي الدور نفسه خلال السنوات المقبلة، فكان ملف الحصول على منفذ على البحر الأحمر.
ورغم أن إثيوبيا ظلت دولة حبيسة لمدة 31 عامًا منذ 1993، فإنها وقعت في الأول من يناير 2024 مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال تتيح لها الوصول إلى البحر الأحمر مقابل الاعتراف به كدولة مستقلة، مع حث دول أخرى على اتخاذ الخطوة ذاتها.
وبين شراقي أن الدافع السياسي المرتبط بتعزيز النزعة القومية ليس العامل الوحيد، إذ توجد أيضًا اعتبارات اقتصادية مباشرة، في ظل الاعتماد شبه الكامل على موانئ جيبوتي، وما يترتب على ذلك من أعباء مالية تقدر بنحو 1.5 إلى 2 مليار دولار سنويًا نتيجة تكاليف النقل والإجراءات اللوجستية.
كما لفت إلى أن إثيوبيا دولة سريعة النمو السكاني، ما يزيد من احتياجاتها التجارية، ويضاعف أهمية تنويع منافذها البحرية.
وأشار شراقي إلى وجود دوافع استراتيجية تتعلق بالرغبة في تقليل الاعتماد على دولة واحدة في التصدير والاستيراد، وهو ما يمثل نقطة ضعف استراتيجية، فضلًا عن سعي أديس أبابا إلى تعزيز موقعها الأمني في منطقة القرن الأفريقي، في ظل وجود نحو 20 دولة تمتلك قواعد عسكرية ونفوذًا على أهم الموانئ في المنطقة.
وفي تفسيره لوصف أديس أبابا سعيها للحصول على منفذ بحري بأنه مسألة "وجودية"، قال شراقي إن هذا التوصيف يهدف إلى إضفاء أقصى درجات الأهمية والأولوية على المطلب الإثيوبي، وتقديمه باعتباره ضرورة حتمية لضمان استقرار الدولة ومستقبلها.
وحذر شراقي من خطورة هذا الطرح في إطار السياسة الدولية، لافتًا إلى أن هناك 44 دولة حبيسة على مستوى العالم لا تطل على بحار، بينها 16 دولة في أفريقيا، ما يعني أن تبني هذا المنطق قد يفتح الباب أمام دول أخرى لاتباع النهج ذاته، بما قد يقود إلى صراعات جديدة من نوع مختلف.
وأشار إلى أن آبي أحمد سبق أن وصف انفصال إريتريا عن إثيوبيا عام 1993 بأنه "خطأ تاريخي كبير"، مؤكدًا أن هذا القرار – بحسب الرواية الإثيوبية – لم يحظ بموافقة مؤسسات الدولة الرسمية مثل البرلمان أو مجلس الوزراء، وأن هناك توجهًا معلنًا لتصحيح هذا المسار، وهو ما يضفي أبعادًا تاريخية وسياسية إضافية على الطرح الإثيوبي الحالي.
وأضاف شراقي أن وجود منفذ بحري قد يسهم في تنشيط حركة التجارة في شرق أفريقيا، ليس لإثيوبيا فقط، وإنما أيضًا للدول الحبيسة المجاورة مثل جنوب السودان وأوغندا ورواندا وبوروندي وجمهورية أفريقيا الوسطى، ما قد يمنح أديس أبابا فرصة لتعزيز دورها كمحور تجاري إقليمي في حال نجحت في تأمين منفذ مستقر وفعال.
ويرى شراقي أن أي وجود بحري جديد لإثيوبيا سيعزز موقعها في موازين القوى بالقرن الأفريقي، خصوصًا في ظل حساسيتها مع إريتريا.
ولفت إلى أن بعض الأطراف تخشى من أن يؤدي ذلك إلى تهديد الأمن القومي المصري عبر إثارة اضطرابات في مدخل البحر الأحمر، الذي يمثل بوابة الوصول إلى قناة السويس، أحد أهم مصادر الدخل القومي لمصر.
واستبعد شراقي قدرة إثيوبيا على القيام بدور يزعزع أمن البحر الأحمر، مرجعًا ذلك إلى الوجود الدولي المكثف في المنطقة، حيث تنتشر أكثر من 20 قاعدة عسكرية تابعة لقوى كبرى، لن تسمح بتهديد استقرار الممرات البحرية، في ظل ارتباط وجودها هناك بفرض الأمن والسلم وحماية مصالحها الاستراتيجية.
ورجح شراقي أن تستخدم أديس أبابا ورقة الوصول إلى البحر الأحمر في إطار المساومات السياسية المرتبطة بقضية سد النهضة.
وأشار إلى أن إثيوبيا لم ترد حتى الآن على مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المطروحة في 16 يناير الماضي، بشأن الوساطة للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم حول السد، معتبرًا أن هذا الموقف يعكس حسابات سياسية أوسع ترتبط بتشابك الملفات الإقليمية.
وأضاف شراقي أن الموقف الإثيوبي قد يتغير حال حصولها على دعم أمريكي واضح لمطلبها بالحفاظ على منفذ بحري، بما يكشف عن ترابط ملفات المياه والطاقة والملاحة البحرية في الاستراتيجية الإثيوبية، واستخدامها كأدوات ضغط متبادلة ضمن معادلة تفاوضية معقدة في القرن الأفريقي.
المنفذ البحري.. بين القانون الدولي وتوترات القرن الأفريقي
وفي السياق ذاته، قال الباحث في الشؤون الإفريقية، عبدالله القزاز لـ"نافذة الشرق" إن القانون الدولي يمنح الدول الحبيسة حق العبور إلى البحر عبر ترتيبات ثنائية مع الدول الساحلية، لكنه يظل إجراءً تنظيميًا لا يرتب سيادة أو نقل ملكية، ويقتصر على تسهيل المرور والخدمات اللوجستية.
وأوضح أن "المنفذ البحري بترتيبات سيادية خاصة" يختلف جذريًا عن هذا الحق، إذ يقوم على تخصيص منطقة بعقد طويل الأمد قد يشمل امتيازات تشغيلية وأمنية، ما يخلق وضعًا قريبًا من الإدارة شبه المستقلة رغم بقاء السيادة القانونية للدولة المالكة.
وأشار القزاز إلى أن التعقيد الأساسي في الحالة الراهنة يعود إلى أن أرض الصومال غير معترف بها دوليًا، وتعد رسميًا جزءًا من جمهورية الصومال، ما يجعل أي اتفاق معها خارج إطار الحكومة الفيدرالية في مقديشو مثار إشكال قانوني قد يفهم كاعتراف ضمني بكيان غير معترف به، ويغذي النزعات الانفصالية.
وأضاف أن تداعيات هذا التجاوز قد تمتد داخليًا إلى زيادة التوتر بين الشمال والجنوب، وإقليميًا إلى دفع مقديشو نحو تحالفات مضادة، ما يعمّق حالة الاستقطاب في منطقة شديدة الهشاشة.
ويرى القزاز أن حصول إثيوبيا على منفذ دائم على البحر الأحمر أو خليج عدن سيحوّلها إلى فاعل بحري مباشر، ويعيد صياغة علاقاتها مع إريتريا، ويقلل اعتمادها على جيبوتي، ويفتح الباب أمام توترات مع الصومال.
وأشار إلى أن دخول إثيوبيا إلى المعادلة البحرية قد يعيد توزيع النفوذ في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، خصوصًا إذا ارتبط المنفذ بوجود أمني أو عسكري، بينما يبقى الأثر أقل حدة إذا اقتصر على الجانب التجاري.
وحذر القزاز من أن أي توتر إضافي في القرن الإفريقي قد ينعكس سريعًا على أمن الملاحة في هذا الممر الحيوي، خاصة إذا اكتسب المنفذ طابعًا عسكريًا أو دخلت أطراف دولية جديدة على خط الاعتراف أو الدعم، مشيرًا إلى أن اعترافًا محتملًا من إسرائيل بأرض الصومال قد يضيف بعدًا جيوسياسيًا جديدًا ويدفع دولًا عربية وأفريقية إلى ردود فعل سياسية أو أمنية.
واختتم بالقول إن الملف قد يتحول إلى نقطة اشتعال إذا تزامنت ثلاثة عوامل: تصعيد سياسي بين إثيوبيا والصومال، واصطفافات إقليمية متقابلة، وعسكرة للمنفذ البحري، بينما يمكن احتواؤه إذا بقي ضمن إطار تفاوض اقتصادي منضبط.



