كتبت: هدير البحيري
تحذيرات من انفجار إقليمي وشيك
تشهد الأوساط السياسية والدبلوماسية تحذيرات متزايدة من أن أخطر ما يهدد استقرار الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة هو احتمال اندلاع مواجهة شاملة بين إسرائيل وإيران، نتيجة أخطاء في التقدير وسوء قراءة نوايا الطرفين، في ظل اعتقاد كل جانب أن الآخر يستعد لتوجيه ضربة عسكرية وشيكة.
وتأتي هذه التحذيرات قبيل اللقاء المرتقب بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسط مخاوف غربية من أن أي سوء فهم متبادل قد يقود إلى تصعيد واسع النطاق، يشمل استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، بما ينذر بمواجهة مدمرة على مستوى الإقليم.
مناورات إيرانية وقلق إسرائيلي
نقلت مصادر دبلوماسية غربية أن التوتر المتصاعد بين تل أبيب وطهران دخل مرحلة أكثر خطورة عقب تنفيذ إيران مناورات صاروخية واسعة خلال الأيام الماضية، اعتبرتها إسرائيل مؤشرًا مقلقًا وربما تمهيدًا لهجوم محتمل.
ودفعت هذه التطورات تل أبيب إلى إبلاغ واشنطن بمخاوفها من نوايا إيرانية هجومية، في ظل حالة من الشك وعدم اليقين تحيط بتقدير نوايا الطرفين.
وفي هذا السياق، زار قائد القيادة المركزية الأمريكية إسرائيل قبل أيام، حيث عقد اجتماعات مع رئيس الأركان الإسرائيلي، في خطوة عكست مستوى القلق الأمريكي من التداعيات المحتملة للتدريبات العسكرية الإيرانية.
ذاكرة حرب يونيو 2025
تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن احتمالات إقدام إيران على مهاجمة إسرائيل تصل إلى نحو 50%، إلا أن حالة الغموض السائدة تجعل صناع القرار غير مستعدين للمراهنة على التهدئة.
وتعود هذه المخاوف إلى تداعيات حرب يونيو 2025، المعروفة إعلاميًا بـ"حرب الأيام الاثني عشر"، والتي شهدت ضربات إسرائيلية وأمريكية استهدفت مواقع نووية إيرانية، مقابل رد إيراني واسع شمل إطلاق مئات الصواريخ وآلاف الطائرات المسيّرة.
كما لفتت المصادر إلى أن طهران رفضت خلال الفترة الماضية مبادرات دبلوماسية أمريكية عرضت وقف برنامجها النووي وتقليص دعمها لحلفائها الإقليميين مقابل تخفيف العقوبات، ما أسهم في تعميق فجوة انعدام الثقة بين الطرفين.
ضربة استراتيجية بنتائج عكسية
أشارت تقارير عسكرية صدرت في يوليو الماضي إلى أن الضربات الإسرائيلية–الأمريكية ضد المنشآت النووية الإيرانية اعتُبرت "خطأً استراتيجيًا"، إذ أضعفت فرص التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ودفعت هذه الضربات طهران إلى تسريع العمل في برنامجها النووي، إلى جانب تعليق التعاون مع الوكالة، ما رفع منسوب القلق من تصعيد غير محسوب قد يشعل حربًا واسعة بين الجانبين.
قراءة نتنياهو للتوازنات الإقليمية
في حديث خاص لـ"نافذة الشرق"، قال الباحث السياسي والخبير في شؤون الشرق الأوسط، بكر محمد البدور، إن تقديرات نتنياهو بشأن إيران تستند إلى مؤشرات عدة تجعل الوقت الحالي مناسبًا لتكثيف الضغط العسكري والسياسي على طهران.
وأشار البدور إلى تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة عقب الانسحاب من سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وصعود نخبة حاكمة جديدة تختلف سياسيًا وفكريًا مع إيران، ما أدى إلى تقلص تأثير الميليشيات الموالية لطهران.
كما لفت إلى الخلل القيادي في البنية العسكرية الإيرانية نتيجة تصفية عدد من القيادات البارزة خلال مواجهة يونيو 2025، ما كشف عن ثغرات أمنية كبيرة داخل إيران.
محور المقاومة تحت الضغط
أوضح البدور أن محور المقاومة تلقى ضربات قاسية في غزة، إلى جانب تراجع حزب الله في لبنان نتيجة الضربات العسكرية والأمنية التي أثرت بشكل مباشر على بنيته القيادية والعسكرية.
وأضاف أن العقوبات الغربية، وتراجع المواقف الأوروبية الداعمة للاتفاق النووي، فضلًا عن الصعوبات الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية المتفرقة داخل إيران، عززت قناعة نتنياهو بضرورة استغلال اللحظة الراهنة قبل أن تستعيد طهران توازنها.
حسابات الداخل الإسرائيلي
يرى البدور أن المواجهة مع إيران قد تخدم حسابات نتنياهو الداخلية، في ظل سعيه وحكومته للبقاء في السلطة، خاصة مع الضغوط المتزايدة المرتبطة بإخفاقات السابع من أكتوبر وقضايا الفساد.
وأكد أن إسرائيل توظف البرنامج الصاروخي الإيراني لتبرير تحركاتها العسكرية والحصول على دعم دولي، مستندة إلى عقيدة "الجدار الحديدي" القائمة على التفوق العسكري والردع الاستباقي.
من المواجهة غير المباشرة إلى الصدام المفتوح
اعتبر البدور أن حرب "الأيام الاثني عشر" غيّرت طبيعة الصراع من مواجهة غير مباشرة إلى اشتباك مباشر، ما يجعل أي جولة قادمة أكثر تدميرًا وتكلفة.
وأضاف أن الضوء الأخضر الأمريكي والأوروبي قد يدفع إسرائيل إلى تنفيذ ضربات مكثفة تستهدف القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية، بالتوازي مع محاولات لإثارة اضطرابات داخلية عبر قوى معارضة.
واشنطن ضابط الإيقاع
أوضح البدور أن الولايات المتحدة تظل الطرف الحاسم في ضبط إيقاع التحركات الإسرائيلية، مشددًا على أن نتنياهو لا يستطيع المضي قدمًا دون موافقة واشنطن.
وأشار إلى أن ترامب يتبنى منذ ولايته الأولى نهجًا متوافقًا مع الرؤية الإسرائيلية المتشددة، ما يجعل دعمه لتل أبيب دبلوماسيًا وعسكريًا أمرًا متوقعًا.
قراءة إيرانية لاحتمالات التصعيد
من جانبها، قالت الباحثة في الشؤون الإيرانية، إسراء جبريل، إن نتنياهو يرى الضغط على إيران ضرورة استراتيجية، في ظل التطور السريع لقدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة.
وأكدت أن التخوف الإسرائيلي لا يقتصر على الخطاب السياسي، بل يستند إلى واقع عسكري متطور، يهدد التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي على المدى الطويل.
حدود الردع والهدوء الخادع
ترى جبريل أن الطرفين يحاولان البقاء دون عتبة الحرب الشاملة، عبر ضربات محدودة ورسائل ردعية مدروسة.
وأوضحت أن إيران تتبع سياسة الرد غير المباشر لتجنب مواجهة مفتوحة قد تهدد استقرارها الداخلي، بينما تميل إسرائيل إلى عمليات استخباراتية وهجمات دقيقة خارج إيران.
سيناريوهات المواجهة المحتملة
رجحت جبريل أن تبدأ أي مواجهة بتصعيد محدود يشمل ضربات جوية مركزة، يعقبها رد تدريجي، مع احتمالية توسع الصراع في حال حدوث خطأ في الحسابات.
وأكدت أن الولايات المتحدة ستواصل دعم إسرائيل أمنيًا واستخباراتيًا، مع الحرص على تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة تهدد مصالحها وأسواق الطاقة العالمية.
نحو مواجهة شبه حتمية؟
اختتمت جبريل بالقول إن المعطيات تشير إلى حالة "هدوء خادع" تسبق جولة جديدة من الصراع، حيث تسعى إيران لإعادة بناء قدراتها العسكرية وتسريع برنامجها النووي، بينما تعتبر إسرائيل هذه الجهود خطًا أحمر يستدعي ضربة استباقية.



